تفشت متلازمة بين مسؤولي النظام الإيراني ومؤيديه المتشددين: العيش في “عالم موازي”؛ مكان تظهر فيه طهران كمنتصر في الحرب. هذا الوهم البنيوي تسلل من رأس الهرم في النظام إلى الشارع، وبات يمتلك القدرة على صناعة السياسات.
منذ أكثر من مائة يوم، تحوّل النظام بجميع أركانه- من الميدان إلى الدبلوماسية والشارع- إلى “بائع أوهام”، يشتري الحروب، وينظم “روايات الفتح” دون تحقيق أي نصر حقيقي.
وقد اتسعت رقعة هذه المتلازمة في الأشهر الأخيرة بشكل غير مسبوق؛ حيث تعيش طبقة من النظام ومؤيديه في عالم يعتقدون فيه أن إيران هي الطرف المنتصر، وأن أميركا مشلولة الحركة، وإسرائيل في طور الزوال، والعدو “يتوسل”. ويمتد هذا العالم الافتراضي من صحيفة “كيهان” إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون (صدا وسيما)، ومن البرلمان إلى الأجهزة الحكومية، وصولاً إلى وسائل الإعلام الموالية والتجمعات في الشوارع.
وطوال هذه السنوات، كان مدير تحرير صحيفة “كيهان”، حسين شريعتمداري، يحلم بمثل هذه الأيام: إغلاق مضيق هرمز، والمواجهة العسكرية المباشرة مع أميركا وإسرائيل، وتهديد دول المنطقة كبلطجي عسكري! والآن يرى أمنياته تتحقق رأي العين، لكن الانتظار الذي كان يأمله لم يثمر النصر المنشود. فالهزيمة واضحة على جميع الجبهات؛ الصواريخ الإيرانية- التي تمثل معقلهم الأخير- يتم اعتراضها وتدميرها في أجواء الدول المجاورة، والحصار البحري جعل من ورقة إغلاق مضيق هرمز أداة بلا فائدة.. بل إن الدول المجاورة استغلت هذه الفرصة لتشكيل جبهة موحدة في مواجهة إيران.
في ظل هذه الظروف، يفضل نمط “حسين شريعتمداري” الدخول في الفقاعة التي صنعها لنفسه مسبقاً؛ عالم موازٍ يرى فيه نفسه وأيديولوجيته منتصرين. وغدت هذه الظاهرة متفشية جداً هذه الأيام.
ولكن النقطة المحورية هنا ليست الوهم ذاته، بل “السياسات” التي يصنعها هذا الوهم. هذه الطبقة لا تكذب؛ فلو كانت تكذب لتمكنت من التراجع، لكنها للأسف تؤمن بعمق بما تقوله. ويمكن التماس هذا الإيمان الأعمى وقراءته بين السطور والخطابات، من أمير حسين ثابتي إلى حسين شريعتمداري، ومن عراقجي إلى الرواديد والمرتجزين (الذين يردّدون الأهازيج والأناشيد الحماسية في الشوارع).
وانطلاقاً من هذا المعتقد، يطرح أمثال شريعتمداري ومالكي مقترحات لسياسات جديدة: قانونًا لإغلاق مضيق هرمز حتى “مقتل دونالد ترامب”، وتأسيس “ناتو إسلامي” بالتعاون مع الدول المسلمة المجاورة، وانتزاع المزيد من المكاسب من “العدو المهزوم”. وتمنح هذه المقترحات وهم النصر للأنصار المتشددين في الشوارع وتبيعهم الحروب؛ وهي صفقة لا تصب إلا في ضرر وحدة إيران ومصالح شعبها المنهك من سلطة النظام.
تفشي المتلازمة
طالب مدير تحرير صحيفة “كيهان”، حسين شريعتمداري، بالمصادقة على قانون يبقي بموجبه مضيق هرمز مغلقاً حتى “مقتل دونالد ترامب”، ومصادرة السفن الإسرائيلية حتى “محو إسرائيل بالكامل من الجغرافيا العالمية”.
ومن جانبه، يتحدث المساعد الخاص لوزير الداخلية، محمد حسن نامي، عن تشكيل “ناتو إسلامي” بقيادة إيران وبالتحالف مع 57 دولة إسلامية، في وقت لا يملك فيه النظام حليفاً عربياً واحداً في المنطقة، كما أثبتت بقية الدول المسلمة في آسيا أنها تغلب مصالحها الخاصة دائماً.
أما عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، فدا حسين مالكي، فيزعم أن أميركا “شُلّت حركتها في الميدان بكل ما تحمله الكلمة من معنى”. ويكتب محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أن العدو “توسل مجدداً” للقبول بوقف إطلاق النار. وفي التلفزيون الحكومي، يعلن أحد الخبراء أن أميركا تكبدت “ألف قتيل وسبعة إلى ثمانية آلاف جريح”.
رواية الفتح ووهم الانتصارات
يعود تقليد “رواية الفتح” في بنيان النظام الإيراني إلى عقد الثمانينيات. في ذلك الوقت، كان مرتضى آويني (مخرج أفلام وثائقية) يخرج برنامجاً يحمل الاسم نفسه حول جبهات الحرب المستعرة لثماني سنوات مع العراق. وحينما كان الجيش يواجه هزائم متتالية وتضيع أجزاء من الأراضي الإيرانية ويُقتل شباب البلاد، كان آويني يصيغ بنبرة ملحمية وعرفانية من كل قطرة دم لِشاب إيراني روايةً لوهم الانتصار.
واليوم، بعد مرور أربعة عقود، لا يزال النظام يبحث عن “رواية فتح” جديدة؛ لكن هذه المرة بشأن حرب قُتل فيها زعيمه، ويخضع هو خلف الكواليس للشروط الأميركية.
الحقيقة بين التهديدات
قبل فترة وجيزة من مقتله في الحرب الأخيرة، جلس أمي مجلس الدفاع الوطني السابق، علي شمخاني، في برنامج “خط تیره” (الخط المائل) أمام مقدم البرنامج، جواد موغويي، الذي سأله عن تهديدات إغلاق مضيق هرمز، فأجاب شمخاني بنبرة عسكرية: «إغلاق المضيق يعني أننا وصلنا إلى طريق مسدود تماماً وعلينا المخاطرة بكل شيء. نحن نملك أدوات ردع أكثر تنوعاً». فسأله موغويي: «أليس هذا مجرد ارتجاز وشعارات؟».
لقد اعترف شمخاني عملياً، حتى بالنسبة لمن يدافعون عن هذه القدرات، بأن إغلاق المضيق هو السهم الأخير؛ وإذا أطلقته فلن يتبقى لديك شيء، وتكرار التهديد به يغدو بلا جدوى.
ولكن الطبقة الأكثر خطورة في هذه المتلازمة توجد في الشارع؛ حيث تحتفل مجموعات من المؤيدين المتشددين بإطلاق الصواريخ نحو إسرائيل. لقد نصبوا أنفسهم فاتحين في مخيلتهم، ويعيشون في العالم ذاته الذي صنعه النظام لهم. هؤلاء أنفسهم الذين وصفوا معارضي النظام بالدعاة إلى الحرب والخراب لابتهاجهم بمقتل علي خامنئي، يهللون الآن لإطلاق الصواريخ وقرع طبول الحرب من قِبل إيران. إنهم يعيشون في فقاعة من الأوهام صُنعت بالسياسات الممنهجة للنظام.
انهيار فقاعة النصر
إن النظام الذي اقتات على وهم النصر وباعه لمؤيديه، يعجز اليوم عن إنهاء الحرب؛ لأن إنهاءها يعني “الاعتراف”. والاعتراف يعني انهيار هذا العالم الموازي الذي يتراءى فيه النظام وأنصاره في موقع الفاتحين.
وطالما استمر بيع هذا الوهم، سيواصل المشترون احتفالاتهم في الشوارع، بينما يزداد شبح الحرب ثقلاً على كاهل الإيرانيين.
وضحيّة هذا الحلم ليس النظام ولا مؤيدوه، بل الشعب الذي يعيش في “إيران الحقيقية” صامتاً وفقره يزداد يوماً بعد يوم. إن الغلاء الفاحش الذي يضرب أسعار الفاكهة والحليب واللحوم، واختفاء القوت الأساسي من موائد المواطنين، والبطالة، والمشكلات الحقيقية للناس ليست وهماً؛ بل هي العالم الواقعي الذي يحاول مسؤولو النظام التغطية عليه عبر تشييد عالمهم الموازي الجديد.
هل تتذكرون محمد سعيد الصحاف؟ في يوم سقوط بغداد، كان يرتجز أمام كاميرات التلفزيون الحكومي العراقي مدعياً الانتصار على الجيش الأميركي ويصيغ روايات النصر الزائف، وقد رأى الجميع مصيره في النهاية.

