بين مقصلة الصواريخ وحسابات طهران: مفارقات الخطاب الخشبي.. المفاوضات «هزيمة» وحرب الاستنزاف الإيرانية «نصراً»

لبنان وايران
على الرغم من الرهانات الكبرى والاحتفاء السياسي والإعلامي الواسع بالردود الصاروخية المباشرة التي انطلقت من إيران باتجاه تل أبيب، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الشارع اللبناني اليوم، وخاصة المتضررين مباشرة من الحرب: أين هي الترجمة السياسية أو الميدانية لتلك الاستعراضات الصاروخية؟ وأين انعكست تلك المعادلات المفترضة في حماية القرى أو لجم آلة الحرب الإسرائيلية؟

تتحرك الجغرافيا اللبنانية اليوم على وقع حقول من الألغام السياسية والعسكرية، حيث يتداخل صوت القذائف الميدانية بصخب التجاذبات التي تحاول رسم مستقبل البلاد. وفي قلب هذا المشهد، يبرز تناقض صارخ يضع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية في مواجهة أجندة عابرة للحدود، تسلخ البلاد عن محيطها الطبيعي، وتحول ساحاتها إلى مجرد بريد دائم للرسائل والردود بين قوى إقليمية ودولية. هذا التناقض يدفع إلى التساؤل بعمق عن الأثمان التي يتكبدها اللبنانيون، لا سيما أبناء البيئة الحاضنة التي تدفع الفاتورة الأكبر من لحمها الحي وعمرانها.

مفارقة السيادة والتفاوض: بين الاتهامات والواقع الميداني

في المنطق السياسي الذي تحاول بعض القوى فرضه، تُصوّر محاولات الدولة اللبنانية لانتزاع قرارها واستعادة المبادرة الدبلوماسية عبر المفاوضات المباشرة المرتقبة في واشنطن على أنها نوع من “الانكسار” أو التراجع. وتُشن حملات إعلامية وسياسية لتخوين أي مسعى يهدف إلى إرساء قواعد السيادة وحصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية والدستور اللبناني.

لكن المفارقة تكمن في قراءة الطرف الآخر للميدان، إذ في مقابل اتهام الدولة بالارتهان عند محاولتها وقف النزيف، يُراد من اللبنانيين أن ينظروا إلى المواجهة المستمرة منذ أشهر طويلة، والتي انطلقت تحت شعارات خارجية تماماً، على أنها مجرد تفصيل عابر.

إن المعركة التي رُبطت بداياتها بحسابات إقليمية ثأرية بعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية العليا، تجاوزت اليوم مئة يوم من الاستنزاف المستمر، دون أن تُثمر سوى عن مزيد من التدمير الممنهج للبنية التحتية، والتهجير القسري لعشرات آلاف العائلات من قراهم وبلداتهم في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.

إن الإصرار على مواصلة الحرب حتى النهاية، مهما بلغت الخسائر البشرية والمادية، يعكس استخفافاً مطلقاً بمفهوم الوطن والمواطنة، ويختزل طائفة بأكملها، ومعها بلد بكامله، في دور “وقود المدافع” لخدمة مصالح لا ناقة للبنان فيها ولا جمل

وعلى الرغم من الرهانات الكبرى والاحتفاء السياسي والإعلامي الواسع بالردود الصاروخية المباشرة التي انطلقت من إيران باتجاه تل أبيب، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الشارع اللبناني اليوم، وخاصة المتضررين مباشرة من الحرب: أين هي الترجمة السياسية أو الميدانية لتلك الاستعراضات الصاروخية؟ وأين انعكست تلك المعادلات المفترضة في حماية القرى أو لجم آلة الحرب الإسرائيلية؟ الواقع على الأرض يجيب بوضوح؛ إذ لم تنجح تلك الصواريخ في إعادة نازح واحد إلى أرضه، ولم تمنع غارة واحدة عن قضم ما تبقى من أرزاق الناس، بل تركت البلاد مكشوفة تماماً أمام تفوق جوي وميداني يقضم القرى الحدودية يوماً بعد يوم.

التوغل الميداني وسقوط معادلات الردع

إن تراجع مفاعيل ما كان يُعرف بـ “معادلات الردع” لا يحتاج إلى تحليلات معقدة، بل تثبته الوقائع الميدانية المتسارعة في القطاع الشرقي للجنوب اللبناني. فالجيش الإسرائيلي يواصل تعزيز عملياته وتوغلاته البرية، مستفيداً من غياب الاستراتيجية الدفاعية الموحدة للدولة، ومستغلاً زج البلاد في أتون مواجهة غير متكافئة.

إن المعركة التي رُبطت بداياتها بحسابات إقليمية ثأرية بعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية العليا، تجاوزت اليوم مئة يوم من الاستنزاف المستمر، دون أن تُثمر سوى عن مزيد من التدمير الممنهج للبنية التحتية، والتهجير القسري لعشرات آلاف العائلات من قراهم وبلداتهم في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت

وتشير التقارير الواردة من خطوط المواجهة إلى أن العمليات العسكرية باتت على مشارف نقاط استراتيجية بالغة الخطورة، وفي مقدمتها تلة “علي الطاهر” الحاكمة. وتكمن خطورة هذا التقدم في الموقع الجغرافي الفريد لهذه التلة، التي تشكل مفتاحاً عسكرياً يشرف مباشرة على:

  • من الجهة الغربية: مدينة النبطية بكامل ثقلها السكاني وقراها المحيطة.
  • من الجهة الشرقية: منطقتا مرجعيون والخيام، اللتان تشكلان عمق القطاع الشرقي.
  • من الجهة الشمالية: منطقة جزين، مما يعني كشف رقعة واسعة من الجغرافيا اللبنانية وجعلها تحت السيطرة النارية المباشرة للاحتلال.

هذا التمدد الميداني يثبت أن الحسابات العسكرية للبلاد لم تكن مبنية على أسس وطنية تحمي الأرض، بل على توظيف الساحة كحقل تجارب وصدمات لتخفيف الضغط عن جبهات ومصالح إقليمية أخرى، وهو ما جعل القرى الجنوبية والبلدات الأمنية مكشوفة في صراع تفوق الآلة العسكرية على التكتيكات الفصائلية.

لبنان في “عنق الزجاجة” الإقليمية: التوظيف الخارجي للداخل

إن المشهد العام يؤكد المؤكد: إيران تصر على ربط مساراتها التفاوضية مع الولايات المتحدة والغرب بالملف اللبناني، مستخدمة ساحة الجنوب والضاحية والبقاع كأوراق ضغط لتحسين شروطها في الملف النووي أو في رفع العقوبات الاقتصاديّة عنها. هذا الربط المحكم يثبت أن القرارات المصيرية التي تحدد حياة أو موت اللبنانيين لا تصدر من بيروت، بل تأتي كإملاءات تلتزم بها الفصائل المحلية التي تحولت، بفعل الأيديولوجيا والتمويل، إلى جزء لا يتجزأ من منظومة الحرس الثوري الإيراني.

تتعامل ايران مع لبنان بوصفه “فصيلاً في ألوية” مشروعها الكبير، حيث يُطلب من الساحة اللبنانية البقاء في الخدمة والمواجهة حتى الرمق الأخير، ودون أي اعتبار للقدرة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد على التحمل.

إن الإصرار على مواصلة الحرب حتى النهاية، مهما بلغت الخسائر البشرية والمادية، يعكس استخفافاً مطلقاً بمفهوم الوطن والمواطنة، ويختزل طائفة بأكملها، ومعها بلد بكامله، في دور “وقود المدافع” لخدمة مصالح لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.

تدمير النسيج الاجتماعي والمعيشي: الفاتورة الثقيلة

لقد حلت هذه السياسات المرتبطة بالمحاور كـ “لعنة” حقيقية على البلاد، وكانت الطائفة الشيعية هي المتضرر الأول والأكبر منها. فالجنوب الذي أُعيد إعماره بجهود أبنائه ودعم أشقائه العرب بعد حروب سابقة، يُهدم اليوم بشكل كامل؛ حيث تحولت القرى الوادعة إلى ركام، وباتت حقول الزيتون والمواسم الزراعية رماداً بفعل القصف الفوسفوري والممنهج. والضاحية الجنوبية، التي كانت تنبض بالحياة والاقتصاد والعمل، أصبحت مربعات من الدمار والركام، والشيء نفسه ينطبق على بلدات البقاع.

إن هذه الخسائر ليست مجرد أرقام تُعرض في النشرات الإخبارية، بل هي عائلات شُردت، ومستقبل أجيال دُمّر، وثروات وطنية تبخرت. كل هذا يحدث في وقت يعاني فيه لبنان أصلاً من انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، مما يجعل عملية النهوض مجدداً أمراً شبه مستحيل دون مظلة دولية وعربية حقيقية، وهي المظلة التي أحرقتها سياسات المحاور ومعاداة الأشقاء.

استعادة منطق الدولة كطوق نجاة وحيد

أمام هذا الواقع السوداوي، لم يعد لدى اللبنانيين ترف الوقت لانتظار نتائج المفاوضات الإقليمية أو تبدل الأمزجة في عواصم القرار. إن طوق النجاة الوحيد والمسار الحتمي لإنقاذ ما تبقى من الوطن يكمن في:

  1. الالتفاف حول مؤسسات الدولة الشرعية: وتفويض الحكومة ورئاسة الجمهورية حصرياً بالتفاوض باسم الشعب اللبناني، لانتزاع وقف فوري وشامل لإطلاق النار.
  2. العودة إلى الدستور ومقررات اتفاق الطائف: الذي ينص صراحة على بسط سلطة الدولة بقواتها الذاتية على كامل الأراضي اللبنانية، وحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الرسمية.
  3. تفكيك سياسة “وحدة الساحات”: وتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية، وإعادة بناء جسور الثقة مع العمق العربي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية، التي أثبتت دائماً أنها تقف إلى جانب الدولة ومؤسساتها وشعبها دون غايات فئوية.

تتعامل ايران مع لبنان بوصفه “فصيلاً في ألوية” مشروعها الكبير، حيث يُطلب من الساحة اللبنانية البقاء في الخدمة والمواجهة حتى الرمق الأخير، ودون أي اعتبار للقدرة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد على التحمل

إن المعلم والمزارع والطالب والمواطن اللبناني في الجنوب والبقاع وبيروت يستحقون العيش في وطن يحميهم بدستوره وجيشه، لا في ساحة مفتوحة تُستغل فيها تضحياتهم ودماؤهم كأوراق تفاوضية على طاولات الآخرين.

لقد حان الوقت لكي يدرك الجميع أن حماية لبنان وتبديد “اللعنة” التي حلت به تبدأ من الداخل، بقرار وطني شجاع يعلن انتهاء زمن الوصايات الحزبية والإقليمية، والولادة الجديدة للدولة الواحدة والسيادة الكاملة.

السابق
سلام: أنشطة حزب الله خارجة عن القانون.. وإيران لم تساندنا يوماً وتورطنا في الحرب