لم يعد ما يجري في بلدة الغندورية الجنوبية يُنظر إليه بوصفه حادثاً ميدانياً محدوداً، بل بات يُثير مخاوف جدية من محاولة إسرائيلية لإحداث اختراق استراتيجي في القطاع الأوسط من جنوب لبنان، بما يفتح الباب أمام تغيير في خريطة الانتشار العسكري على طول الجبهة الجنوبية.
فقد أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي أقدمت صباح الأربعاء على نسف عدد من المنازل في بلدة الغندورية، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً إلى سعي إسرائيلي لتثبيت موطئ قدم متقدم في منطقة ذات أهمية جغرافية وعسكرية بالغة الحساسية.
موقع استراتيجي يربط أكثر من جبهة
الأسير المحرر محمد أيوب، صاحب التجربة العسكرية الطويلة في العمل المقاوم، يرى أن خطورة التطور لا تكمن فقط في عملية النسف بحد ذاتها، بل في الدلالات العسكرية المترتبة على وجود قوات الاحتلال في عمق بلدة الغندورية ذات الموقع الاستراتيجي الذي يربط وادي الحجير المحتل شرقا، بقرى وبلدات قضائي صور والنبطية غربا وشمالا. خصوصا وان هذا التوغل الجديد جرى بالتزامن مع انسحاب الجيش اللبناني من مجرى نهر الليطاني في منطقة قعقعية الجسر بعد تدمير مواقع حزب الله وانفاقه في وادي الحجير.
وبحسب أيوب، فإن هذا الواقع يجعل بلدة فرون شبه محاصرة ميدانياً، فيما يتحول مثلث الغندورية إلى نقطة ارتكاز تسمح للقوات الإسرائيلية بمراقبة ومتابعة محورين أساسيين: محور النبطية شمالاً ومحور صور غرباً.
ويضيف أن أهمية المنطقة تتضاعف إذا تمكنت القوات الإسرائيلية من التمركز غرب الغندورية في منطقة الطويري المفتوحة والخالية من الأبنية، التي ترتبط جغرافياً ايضا بعدد من البلدات هي صريفا وبرج قلاويه وفرون وديركيفا.

السيطرة على التلال الحاكمة
ويرجح أيوب أن يكون الهدف الإسرائيلي المباشر هو فرض سيطرة نارية على التلال والمواقع المرتفعة المشرفة على المنطقة، بما يسمح بتطويق بلدات أساسية مرتفعة اولها بلدتي فرون وصريفا بسبب قرب البلدتين اكثر من المواقع الاسرائيلية، كما لا يستبعد ايوب ان تكون تلال كفردونين الأبعد نسبيا هدفا عسكريا ايضا لجيش الاحتلال بسبب ارتفاعها.
الموقع الجغرافي لهذه المناطق يجعلها عسكريا من المواقع الحاكمة، حسب ايوب، التي تمنح من يسيطر عليها قدرة واسعة على الرصد والاستهداف والتحكم بحركة التنقل بين عدد من القرى الواقعة على خطوط التماس الحالية.
هل يتجه التصعيد نحو قضاء صور؟
السؤال المطروح اليوم في الأوساط الجنوبية يتجاوز حدود الغندورية نفسها: هل يشكل هذا التقدم مقدمة لعملية أوسع باتجاه بلدات قضاء صور؟
يجيب ايوب: لا شك أن التقدم من الغندورية يفتح مساراً ميدانياً يمتد الى وادي جيلو باتجاه مدينة صور ، وهو ما يمنح القوات الإسرائيلية هامش حركة أوسع إذا ما قررت توسيع نطاق عملياتها البرية.
وهكذا، حسب المعطيات اعلاه، اذا قررت إسرائيل سياسيا استثمار مواقعها الجديدة وتحويلها إلى قواعد ثابتة للتمدد، فإن ذلك قد يضع عدداً كبيراً من البلدات الواقعة بين صور وبنت جبيل والنبطية أمام مرحلة جديدة من المواجهة، عنوانها إعادة رسم خطوط السيطرة الميدانية والسعي إلى فرض وقائع عسكرية جديدة تتجاوز بكثير أهداف العمليات الموضعية التي شهدتها الجبهة خلال الأشهر الماضية.

