لبنان..حين تتحول الجغرافيا إلى قدرٍ سياسي وممرٍّ للمصالح الكبرى

الحرب على لبنان

ليس لبنان دولةً كبرى تملك قوة عسكرية أو اقتصادية تؤثر في مسار العالم، لكنه يقع في موقع يجعل العالم يتأثر بما يحدث فيه أكثر مما يستطيع هو التأثير فيما يحدث حوله.

فهذا البلد الصغير يقف، منذ عقود، عند نقطة تقاطع ثلاثة مسارات كبرى في الشرق الأوسط:

* النفوذ الإيراني ومشروعه الإقليمي.

* أمن إسرائيل وحدودها الشمالية ومشاريعها التوسعية.

* المصالح الأميركية في المنطقة، وما يتفرع عنها من مصالح أوروبية ودولية.

لذلك لا تُقرأ الأحداث الكبرى في لبنان باعتبارها شأناً لبنانياً صرفاً، بل كجزء من معادلات أوسع تتجاوز حدوده. فالحرب فيه قد تربك حسابات إقليمية ودولية، والتسوية فيه قد تنعكس على ملفات تتجاوز جغرافيته بأشواط.

المشكلة ليست في الجغرافيا وحدها

غير أن المشكلة ليست في الجغرافيا وحدها. فدول كثيرة عاشت في مواقع أكثر حساسية، واستطاعت تحويل موقعها إلى مصدر قوة. أما لبنان، فقد واجه تعقيدات موقعه بدولة ضعيفة، ونظام طائفي منقسم، ومؤسسات عاجزة، فصار أكثر عرضة لتدخلات الخارج وصراعاته.

ومنذ عقود، يتنقل لبنان بين المحاور والتسويات والحروب، فيما يدفع شعبه أثمان نزاعات غالباً ما تُصنع خارج حدوده.

لبنان على خطوط التماس الإقليمية

وكلما اشتدت المواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، عاد لبنان إلى واجهة الأحداث، لا لقوته، بل لأنه يقع في قلب خطوط التماس بينها.

إنها مفارقة بلدٍ صغير لا يستطيع فرض إرادته على الآخرين، لكنه أيضاً لا يستطيع الإفلات من تأثيرهم. فلبنان لم يختر جغرافيته، لكنه لم ينجح بعد في بناء الدولة القادرة على حمايته من نتائجها.

عندما تصبح المصالح أقوى من الدولة

وليست لعنة لبنان أنه يقع عند تقاطع المصالح الكبرى، بل أن هذه المصالح ما زالت أقوى من دولته.

ولهذا، فإن لبنان ليس دولةً كبيرة تؤثر في العالم، بل وطناً صغيراً جعلته لعنة الجغرافيا ممراً إلزامياً للمصالح والصراعات، فصار العالم يراقب ما يجري فيه، فيما لا يزال اللبنانيون يبحثون عن دولةٍ قادرة على تحويل هذا الموقع من عبءٍ تاريخي إلى مصدر قوة، ومن ساحةٍ لصراعات الآخرين إلى وطنٍ سيدٍ على قراره ومستقبله.

السؤال المؤجل منذ قيام الدولة

لماذا بقيت الدولة اللبنانية أضعف من التحديات التي فرضها عليها موقعها؟

هل يعود ذلك إلى طبيعة النظام السياسي القائم على التوازنات الطائفية التي جعلت بناء الدولة عمليةً ناقصة منذ الاستقلال؟ أم إلى ارتباط القوى السياسية اللبنانية بمحاور إقليمية متنافسة حوّلت لبنان إلى ساحة نفوذ أكثر منه دولة ذات سيادة؟ أم إلى عجز النخب الحاكمة عن إنتاج مشروع وطني جامع يعلو على المصالح الفئوية والطائفية؟

قد تختلف الإجابات، لكن الثابت أن الجغرافيا وحدها لا تصنع الأزمات، بل إن غياب الدولة القادرة هو ما يحوّل الموقع الجغرافي من فرصة إلى عبء، ومن مصدر قوة إلى مصدر هشاشة. وبين الجغرافيا والسياسة، لا يزال لبنان يبحث عن المعادلة التي تسمح له بالخروج من دور الساحة إلى دور الدولة، ومن موقع المتلقي لنتائج الصراعات إلى موقع الشريك في صناعة مستقبله.

السابق
لبنان بين واشنطن وإسلام آباد: هل يمكن فصل المسار اللبناني عن تعقيدات الإقليم؟