في مرحلة تتكاثر فيها الدعوات إلى ربط مصير الطائفة الشيعية في لبنان والمنطقة بمشاريع إقليمية تتجاوز حدود الدولة الوطنية، تبدو أفكار الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي رحل عن عالمنا منذ حوالي ربع قرن، أكثر راهنية من أي وقت مضى.
فالامام شمس الدين الذي شغل منصب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى بعد مؤامرة إخفاء الامام موسى الصدر، عُرف بقراءته العميقة للتحولات السياسية والاجتماعية، وترك تحذيرات واضحة من مخاطر تحويل الشيعة إلى جماعة سياسية معزولة تخوض وحدها معارك المنطقة وتتحمل وحدها نتائجها.
يقول شمس الدين في كتاب «الأمة والدولة والحركة الإسلامية:
يقال الآن مثلاً أن الوحيدين الذين يقفون في وجه تسوية الشرق الأوسط هم الشيعة. هذا الأمر بمقدار ما يفتخر به بعض الشيعة وقصار النظر، يشكل خطراً حقيقياً على الشيعة.
لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يبدو الشيعة وحدهم في مقابل ما يسمى مشروع سلام الشرق الأوسط.
إما أن يشاركهم فيه غيرهم وإلا فلا داعي لأن يظهروا أنهم وحدهم «عشاق ليلى». إما أن يكون لهم شركاء في عشقها أو لا داعي لأن تكون معشوقة على الاطلاق.
وأنتم تعلمون أن من يتأخر عن أهل البيت يفقد إيمانه، ومن يتقدمهم أيضاً يفقد ايمانه. فقط من يتبعهم هو الذي يحفظ ايمانه. ومن هنا، فكما أن المتخلين المتخلفين هم مخالفون للحكم الشرعي، كذلك الذين يريدون أن يكونوا مسلمين أكثر من النبي وشيعة أكثر من علي بن أبي طالب… وهذا الأمر أعيذكم بالله أن تقعوا فيه…
من هنا اطروحتي أن الحوار والهدنة الداخلية هما الطريق الصحيح. ففي اعتقادي أن كان ثمة رجاء في أن تتحقق مكاسب للشيعة في العالم فهي من هذا الطريق، طريق الاندماج، وليس من طريق الانكفاء والسلبية الكاملة، وليس من طريق الحالة الهجومية…
(النص الكامل في كتاب الغدير رقم 4: الأمة والدولة والحركة الإسلامية).
هذه الكلمات، التي قيلت قبل سنوات طويلة، تبدو اليوم وكأنها كُتبت لوصف الواقع الراهن. فبعد عقود من ربط القضية الشيعية في لبنان بالصراعات الإقليمية، باتت الطائفة تُدفع تدريجياً إلى موقع المواجهة المنفردة مع مشاريع وتسويات وتحولات كبرى لا يشاركها فيها احد، وتتحمل وحدها الكوارث الناتجة عن تلك الخيارات الخاطئة.
نهج أهل البيت ومنطق الغلو
ولم يكتفِ الامام شمس الدين بالتحذير السياسي، بل ربط موقفه بفهم ديني متوازن يرفض التأخر عن أهل البيت كما يرفض التقدم عليهم، رافضا بذلك ايضا التخلف والغلو والتفريط.
في هذا الكلام نقد مبكر لكل محاولة لتحويل الانتماء المذهبي إلى مشروع سياسي مغلق أو إلى حالة تعبئة دائمة تتجاوز حدود المصلحة الوطنية. فشمس الدين كان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي جماعة هو أن تقتنع بأنها تحمل وحدها الحقيقة المطلقة أو أنها مكلفة بخوض معارك الأمة كلها نيابة عن الآخرين.
الاندماج لا الانكفاء
أما البديل الذي طرحه فكان واضحاً وصريحاً، يتمثّل بالحوار والهدنة الداخلية وطريق الاندماج، وليس من طريق الانكفاء والحالة السلبية الهجومية.
لقد أثبتت التجارب أن الاندماج الذي دعا إليه شمس الدين لم يكن دعوة إلى الاستسلام، بل دعوة إلى حماية الشيعة من العزلة، وحماية لبنان من التحول إلى ساحة صراع دائم. ومن هنا تكتسب أفكاره أهمية استثنائية اليوم، لأنها تقدم بديلاً وطنياً وعقلانياً عن السياسات التي جعلت لبنان يدفع أثماناً باهظة نتيجة ربط مصيره بصراعات الآخرين.
هذه الرؤية للإمام الراحل رضوان الله عليه، تكاد تختصر مأزق لبنان وشيعته حاليا، فبعد سنوات طويلة من محاولات تطويع الوطن في محور الممانعة الذي تتزعمه ايران، ورفض حزب الله التخلي عن سلاحه رغم سلسلة الخسائر والهزائم التي تعرّض لها اخيرا بعد حرب اسناد غزة، لا يجد الشيعة خيارا اخر امامهم سوى العودة إلى الدولة بوصفها الإطار الوحيد القادر على حمايتهم اسوة بباقي مكونات الوطن.

