يواجه النظام الإيراني منعطفاً تاريخياً هو الأكثر حساسية منذ عقود، حيث بدأت دوائر صنع القرار في طهران الاستعداد الفعلي لمرحلة انتقالية معقدة، تنقل البلاد من حالة “الوحدة القسرية” التي فرضتها أجواء الحرب والمواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى مرحلة سلام ملغومة بالانقسامات السياسية، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية العميقة.
وفيما نجح قادة النظام في تسيير دفة الحرب وضمان البقاء السياسي، يلوح في الأفق شبح أزمات هيكلية خانقة؛ تضخم مفرط، انكماش اقتصادي مرعب، وأزمات طاقة حادة، تعيد فتح الباب على مصراعيه أمام حركات الاحتجاج الشعبي والمطالبة بوقف ملاحقة المعارضين بمجرد زوال التهديد الخارجي.
صراع الهوية والاتجاه بعد الحرب في أروقة النظام
كشف تقرير موسّع لصحيفة «ذا غارديان» البريطانية أن النقاشات الساخنة داخل أوساط النظام الإيراني حول مستقبل البلاد بدأت تطفو على السطح تدريجياً، وسط مساعٍ حثيثة من القادة لضمان بقائهم السياسي وتثبيت مكاسبهم في مرحلة السلم.
وتشهد المنصات الإعلامية والنقاشية في الداخل الإيراني جدلاً متزايداً بشأن الهوية الاستراتيجية التي ينبغي أن تسلكها طهران؛ حيث تضغط أصوات إصلاحية وشعبية باتجاه إقرار مزيد من «الانفتاح السياسي والاجتماعي» وإطلاق الحريات، في المقابل يرى التيار الأصولي والمحافظ، ومن بينهم سعيد آجورلو (المقرب من فريق التفاوض الإيراني)، أن طهران يجب أن تستثمر ما يعتبره “تحطيم صورة إيران الضعيفة” في الذهنية الغربية بعد المواجهات الأخيرة، والتركيز على التنمية عبر تعزيز «الاستقلالية الوطنية» والاكتفاء الذاتي دون تقديم تنازلات جوهرية للغرب.
الفاتورة المرعبة.. 270 مليار دولار خسائر البنية التحتية
بحسب قراءة الاقتصاديين التي نقلتها الصحيفة، فإن جزءاً كبيراً من مستقبل الاقتصاد الإيراني المتهاوي سيتوقف على مدى استعداد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتخفيف العقوبات الاقتصادية المشددة، وتحرير الأصول والمليارات الإيرانية المجمدة في الخارج بموجب الاتفاقات الجارية.
إلا أن خبراء الاقتصاد في طهران يحذرون من أن أي إنعاش أو تخفيف محتمل للعقوبات لن يعوض سوى جزء محدود وضئيل جداً من حجم الخسائر الكارثية للحرب، والتي قُدّرت بنحو «270 مليار دولار»، وهي الفاتورة الثقيلة التي طالت دمار البنية التحتية، المدارس، قطاع الطاقة، منشآت صناعة الصلب، ومشاريع الإسكان الحيوية. ويترجم هذا الواقع بدخول الاقتصاد في حالة انكماش حاد ومخيف يُقدر بنحو 10%.
تحذيرات سوسيولوجية.. “قنبلة التضخم تضرب الموائد”
في قراءة للأبعاد الاجتماعية، حذر فؤاد حبيبي، أستاذ علم الاجتماع في إيران، من أن الأسباب اللوجستية والسياسية التي أدت إلى اندلاع «الاحتجاجات الدامية» في يناير الماضي لا تزال قائمة ولم تُحل، بل تفاقمت بفعل آلة الحرب.
وأكد حبيبي أن الأزمات المعيشية وتراجع مستويات الدخل واجهت قفزات حادة نتيجة الحصار البحري، بالإضافة إلى فقدان ما لا يقل عن مليوني شخص وظائفهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة جراء القيود الصارمة وحجب شبكة الإنترنت خلال الأشهر الماضية.
وأضاف حبيبي تحذيراً بليغاً قال فيه إن التماسك الاجتماعي الحالي هو “تماسك مؤقت” مرتبط بوجود تهديد خارجي مشترك (العدو الأميركي والإسرائيلي)، وبمجرد توقيع الهدنة وزوال هذا العامل، سيتراجع هذا التماسك ليفتح الباب أمام صراعات وخلافات داخلية حادة.
وفي السياق نفسه، يعاني الداخل الإيراني من أعلى معدلات تضخم غذائي منذ الحرب العالمية الثانية؛ حيث بلغ التضخم السنوي للمواد الغذائية في شهر مايو الماضي نحو 130% بحسب المركز الإحصائي الإيراني، فيما سجلت أسعار اللحوم والدواجن قفزة جنونية وصلت إلى 176%.
هذا التدهور دفع خبراء الصحة والطب إلى التحذير من كارثة صحية متمثلة في تزايد معدلات «سوء التغذية»، هشاشة العظام، وتأخر النمو لدى الأطفال، نتيجة اضطرار العائلات لشطب منتجات الألبان من موائدها.
وجاء التحذير الأكثر إثارة من وزير الاتصالات الإيراني السابق، محمد جهرومي، الذي كتب بوضوح:
“إن القنبلة القادمة التي قد يلقيها ترامب ونتنياهو ربما لن تكون من البارود بل من التضخم، وإن ساحة المعركة المقبلة ستكون موائد المواطنين، وإيجارات المساكن، والأوضاع المعيشية اليومية”.
وهو الأمر الذي يتقاطع مع التصريحات المستمرة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي يواصل تحذير الشعب من صعوبات اقتصادية وتقشفية مرتقبة، مستجدياً إياهم الحفاظ على التماسك لعدم سقوط البلاد في الفوضى.
أزمة الطاقة المظلمة ومعركة السيطرة على الإنترنت
وعلى مقلب الخدمات الحياتية، يعيش قطاع الطاقة أزمة حقيقية؛ فعلى الرغم من نفي وزارة الطاقة الإيرانية للتقارير التي تحدثت عن بدء انقطاعات كهربائية مبرمجة ومقننة لمدة ساعتين يومياً اعتباراً من الشهر المقبل، إلا أن رئيس لجنة الطاقة في غرفة التجارة الإيرانية، أراش نجفي، خرج علناً ليدعو المواطنين والمصانع إلى الاستعداد الفعلي لـ «توقفات يومية للكهرباء» من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من استمرار الإنتاج الصناعي، في وقت عجزت فيه الدولة عن الحل، لتعرض حكومة بزشكيان حسومات تصل إلى 30% على الفواتير لمن يخفضون استهلاكهم للطاقة بنسبة 10%.
وفي موازاة ذلك، بدأت مؤشرات التذمر والاشتباك السياسي تظهر علناً مع التخفيف التدريجي للقيود المفروضة على الإنترنت؛ وهي الخطوة التي أثارت غضب غلاة التيار المحافظ المتشدد، مما دفع بنواب أصوليين في البرلمان إلى بدء حراك تشريعي ودستوري لعزل «وزير الاتصالات الحالي» بحجة تفريطه بالأمن الفكري والسياسي للنظام في مرحلة ما بعد الحرب.
وينتهي تقرير «ذا غارديان» إلى التأكيد بأن المكسب الحقيقي والوحيد الذي تأمل طهران تحصيله من وراء إنهاء الحرب لا يكمن في الاتفاقات السياسية أو التفاهمات النووية، بل في محاولة يائسة للتخلص من «القيود الاقتصادية الخانقة» التي أثقلت كاهل البلاد، رغم أن جميع التوقعات الاستراتيجية تشير إلى أن أي انفراجة مالية مقبلة ستكون بمثابة مسكّن موضعي محدود جداً أمام جبل الأضرار الهيكلية التي خلفها الصراع.

