تشهد إيران موجة جديدة من الاحتجاجات الطلابية، بدأت من الاعتراض على سياسات ما يسمى “المجلس الأعلى للثورة الثقافية” بشأن النظام التعليمي والقبول الجامعي، لكنها سرعان ما تحولت إلى مؤشر سياسي واجتماعي أوسع على حجم الغضب المتراكم لدى الجيل الجديد.فقد امتدت تجمعات الطلاب المعترضين إلى 21 مدينة، من طهران وكرج وخرمآباد، إلى شيراز والأهواز ورشت ومشهد وكرمانشاه وساري وأراك وقم وتبريز وأصفهان ودورود وبجنورد وبيرجند وهمدان وقزوين وكرمان وبروجرد ويزد، حيث رفع الطلاب شعارات تطالب بالعدالة في النظام التعليمي، ومن بينها: “الطالب يموت ولا يقبل الذل”.
في الظاهر، تبدو هذه الاحتجاجات مرتبطة بملف تعليمي محدد: تغييرات متكررة في قوانين القبول الجامعي، التأثير الحاسم للمعدل، وانعدام العدالة في تقييم السجل الدراسي. لكن في العمق، تكشف هذه الحركة عن أزمة ثقة بين الجيل الجديد والنظام بأكمله. فالطلاب لا يحتجون فقط على قرار إداري، بل على منظومة ترى مستقبلهم مجرد حقل تجارب للقرارات الفوقية، بينما يعيشون في ظل أزمة اقتصادية، ضغط نفسي واجتماعي، انسداد سياسي، وانعدام أفق.
وفي هذا السياق، دعت السيدة مريم رجوي الطلاب والمعلمين والجامعيين في عموم إيران إلى دعم الطلاب المنتفضين والمعترضين، مؤكدة أن الطريق الوحيد لتحقيق المطالب هو التضامن، والاستمرار، وتوسيع نطاق الاحتجاجات. وهذه الرسالة تلتقي مع ما أكدته سابقاً في رسالتها بمناسبة العام الدراسي، حين اعتبرت أن “الدرس الأول هو درس الحرية”، وأن صفوف الطلاب والطالبات تثير رعب المستبدين. بهذا المعنى، لا تبدو الاحتجاجات الطلابية مجرد حركة مطلبية، بل جزءاً من معركة أوسع بين جيل يريد مستقبله ونظام يخشى أي تجمع في الشارع.
أهمية هذه التحركات أنها تأتي في لحظة يخشى فيها النظام أي عودة للشارع. فبعد سنوات من الانتفاضات، يدرك نظام ولاية الفقيه أن الشرارة قد تبدأ من مطلب اجتماعي أو تعليمي محدود، ثم تتحول إلى موجة أوسع. ولهذا يتعامل مع تجمعات الطلاب، رغم طابعها المطلبي، كتهديد أمني محتمل. حضور القوات الأمنية، ومحاولات الاحتواء، والضغط على الطلاب، كلها تكشف أن النظام لا يرى في المدرسة والجامعة فضاءً مدنياً، بل ساحة قابلة للانفجار.
ولا يمكن فصل هذه الاحتجاجات عن موجة الإعدامات الجارية. فالنظام يستخدم حبل المشنقة لإرسال رسالة رعب إلى المجتمع، خصوصاً إلى الشباب والطلاب، مفادها أن كلفة الاعتراض ستكون عالية. لكن خروج الطلاب في هذا المناخ يثبت أن سياسة الترهيب لم تكسر إرادة الشارع. بالعكس، كلما اتسعت الفجوة بين الوعود والواقع، وكلما زاد القمع، تحولت المطالب اليومية إلى سؤال سياسي أكبر: من المسؤول عن ضياع مستقبل جيل كامل؟
الخلاصة أن احتجاجات الطلاب ليست مجرد اعتراض على سياسة تعليمية. إنها إنذار مبكر بأن الجيل الجديد لم يعد يقبل الوعود ولا يخاف بسهولة من التهديد. وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة، موجة إعدامات، انقسام داخلي في الحكم، وخوف متزايد من عودة الانتفاضة، تبدو هذه التحركات جزءاً من مشهد أوسع: نظام يخشى الشارع، وجيل يبحث عن حقه، ومجتمع يقترب مجدداً من لحظة انفجار.

