بينما تدور المفاوضات بين لبنان وإسرائيل على وقع حرب لم تنتهِ بعد، يبدو أن جزءًا كبيرًا من النقاش اللبناني ما زال يدور حول السؤال الخطأ. فبدل البحث في كيفية استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم وحماية اللبنانيين من دورة الحروب المتكررة، ينشغل كثيرون في سجال عقيم يخلط بين السلام والتطبيع، وبين وقف الحرب والتخلي عن القضايا الوطنية والعربية.
والحقيقة أن الفارق بين هذه المفاهيم ليس تفصيلًا لغويًا أو سياسيًا، بل هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم المأزق اللبناني نفسه.
السلام والتطبيع: مفهومان مختلفان
منذ عقود، يجري التعامل في لبنان مع السلام والتطبيع وكأنهما مترادفان. لكن أي قراءة سياسية أو تاريخية جادة تظهر أن الأمر مختلف تمامًا.
فالسلام، في تعريفه البسيط، هو إنهاء حالة الحرب بين دولتين. أما التطبيع فهو إقامة علاقات طبيعية بينهما في المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والسياحية وغيرها. وبين المفهومين مساحة واسعة من الخيارات والتجارب المختلفة.
يكفي النظر إلى التجربتين المصرية والأردنية. فقد وقعت مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979، والأردن عام 1994. توقفت الحروب وأُقيمت العلاقات الدبلوماسية، لكن التطبيع الشعبي والثقافي بقي محدودًا وباردًا ومثار جدل دائم. أي أن السلام تحقق، بينما بقي التطبيع موضع خلاف أو رفض لدى شرائح واسعة من المجتمع.
بمعنى آخر، لا يوجد قانون سياسي أو تاريخي يقول إن السلام يقود حتمًا إلى التطبيع، كما لا يوجد ما يفرض استمرار الحرب إلى ما لا نهاية لمجرد رفض التطبيع.
ومع ذلك، يصر جزء من الخطاب السياسي اللبناني على تقديم المسألة وكأن اللبنانيين لا يملكون سوى خيارين، الحرب الدائمة أو التطبيع الكامل. وهي معادلة زائفة تحذف كل المساحات الواقعة بينهما.
من الدولة إلى الساحة
لفهم أسباب هذا الالتباس، لا بد من العودة إلى التجربة اللبنانية نفسها.
فمنذ أوائل سبعينات القرن الماضي، لم يعد لبنان يتعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره دولة تحدد سياساتها وفق مصالحها الوطنية ومؤسساتها الدستورية. تدريجيًا، تحول إلى ساحة مفتوحة لصراعات المنطقة ومحاورها المختلفة.
في مرحلة أولى انتقلت المواجهة مع إسرائيل إلى الأراضي اللبنانية عبر الوجود الفلسطيني المسلح. ثم جاءت الوصاية السورية “الاسدية” التي وضعت القرار اللبناني ضمن حسابات إقليمية أوسع. وبعدها تمدد المشروع الإيراني عبر حزب الله، ليصبح لبنان جزءًا من شبكة صراعات إقليمية تتجاوز حدوده ومصالحه المباشرة.
وخلال هذه المراحل المتعاقبة، تراجعت قدرة الدولة على احتكار قرار الحرب والسلم، وانتقل جزء أساسي من هذا القرار إلى قوى تتجاوز المؤسسات الدستورية أو ترتبط بأجندات إقليمية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية، يجري التركيز على مسألة التطبيع، فيما المشكلة الأعمق هي أن الدولة نفسها لا تمتلك كامل قرارها السيادي.
المشكلة ليست التطبيع بل غياب الدولة
في الواقع، لا يمكن لأي دولة أن تحسم موقفها من السلام أو التطبيع أو الحياد إذا كانت لا تحتكر أصلًا حق استخدام القوة.
فكيف يمكن لدولة لا تملك وحدها قرار الحرب أن تقرر السلام؟ وكيف يمكن لدولة لا تسيطر بشكل كامل على حدودها وسلاحها أن ترسم سياسة خارجية مستقلة؟
لهذا السبب يبدو كثير من النقاش اللبناني وكأنه نقاش في النتائج قبل معالجة الأسباب.
فالقضية الجوهرية ليست ما إذا كان اللبنانيون مع التطبيع أو ضده. القضية الجوهرية هي ما إذا كانت الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخولة اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم.
فالسلام، قبل أن يكون علاقة مع دولة أخرى، هو علاقة بين الدولة ومواطنيها. هو قدرة المؤسسات الشرعية على حماية المجتمع من الحروب غير المرغوب فيها، ومنع تحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، وإخضاع استخدام القوة للقانون والمؤسسات الدستورية.
ومن هذه الزاوية، يصبح النقاش حول استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم أكثر إلحاحًا بكثير من النقاش حول التطبيع.
الحياد الإيجابي لا يعني التخلي عن فلسطين
يزداد الخلط عندما يصل النقاش إلى مسألة الحياد.
فكل دعوة إلى إخراج لبنان من المحاور الإقليمية أو اعتماد سياسة حياد إيجابي/ناشط تُواجَه سريعًا باتهامات جاهزة، التخلي عن القضية الفلسطينية، أو الوقوف على مسافة واحدة بين الاحتلال والشعب الواقع تحت الاحتلال، أو الانحياز إلى الغرب.
لكن هذا الفهم لا يعكس حقيقة مفهوم الحياد كما عرفته تجارب دول كثيرة حول العالم.
فالحياد “الناشط” لا يعني غياب الموقف السياسي أو الأخلاقي، ولا يعني التخلي عن التضامن مع الشعوب أو القضايا العادلة. بل يعني الامتناع عن التحول إلى طرف عسكري في صراعات الآخرين.
يمكن للبنان أن يدعم حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة، وأن يؤيد هذا الحق في المحافل الدولية والعربية، وأن يساند كل جهد دبلوماسي أو قانوني يخدم القضية الفلسطينية، من دون أن يتحول هو نفسه إلى ساحة حرب دائمة.
بل إن التجربة العربية خلال العقود الماضية تدفع إلى طرح سؤال مشروع، ماذا حققت الحروب التي خيضت باسم فلسطين للفلسطينيين أنفسهم؟
فكم من نظام رفع شعار تحرير القدس بينما كان يرسخ سلطته الداخلية؟ وكم من مشروع إقليمي استخدم القضية الفلسطينية لتوسيع نفوذه في المشرق العربي؟ وكم من دولة أو مجتمع دفع أثمانًا باهظة نتيجة صراعات قيل إنها تخدم فلسطين فيما لم تحقق للفلسطينيين أي تقدم حقيقي؟
لقد تحولت القضية الفلسطينية في كثير من الأحيان إلى أداة تعبئة سياسية وإيديولوجية في مشاريع لا علاقة لها بمصالح الفلسطينيين أنفسهم بقدر ما ترتبط بحسابات النفوذ الإقليمي.
لماذا يُصرّ البعض على الخلط بين السلام والتطبيع؟
قد يكون السؤال الأهم هو، إذا كان الفرق بين السلام والتطبيع واضحًا إلى هذا الحد، فلماذا يستمر الخلط بينهما في الخطاب السياسي اللبناني؟
الجواب أن هذا الخلط ليس دائمًا نتيجة سوء فهم أو التباس فكري، بل يتحول أحيانًا إلى أداة سياسية. فكلما جرى ربط السلام بالتطبيع، وربط التطبيع بالخيانة أو التخلي عن القضايا الوطنية، أصبح من الأسهل إغلاق أي نقاش يتعلق باستعادة الدولة لقرار الحرب والسلم أو بحصر السلاح في يد المؤسسات الشرعية.
عندها ينتقل النقاش من مستوى السياسة والمصالح الوطنية إلى مستوى الاتهامات الأخلاقية والأيديولوجية. فبدل البحث في جدوى الحروب ونتائجها وكلفتها على اللبنانيين، يصبح المطلوب من أي معترض أن يثبت وطنيته أولًا. وبدل مناقشة موقع لبنان ودوره ومصلحته، تتحول الساحة العامة إلى محكمة نوايا تُوزَّع فيها شهادات الوطنية والتخوين.
وقد ساهم هذا الأسلوب طوال سنوات في تعطيل نقاشات أساسية تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها. فكلما طُرح سؤال من يملك قرار الحرب، أو من يتحمل مسؤولية إدخال لبنان في صراعات المنطقة، جرى تحويل الأنظار نحو سجالات أخرى أكثر قدرة على إثارة العواطف والانقسامات. وهكذا بقيت المشكلة الأساسية، أي مشكلة السيادة واحتكار الدولة للقوة المسلحة، خارج النقاش الفعلي أو في هامشه.
لهذا السبب، فإن الفصل بين السلام والتطبيع ليس مجرد تصحيح لمفهوم سياسي، بل شرط ضروري لإعادة النقاش إلى مكانه الطبيعي: من يقرر مصير لبنان؟ الدولة ومؤسساتها المنتخبة، أم قوى تمتلك قرارًا مستقلًا عن الدولة وتربط خياراتها بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية؟
من ثقافة الحرب إلى ثقافة الدولة
ربما تكمن المشكلة الأعمق في الثقافة السياسية التي ترسخت في لبنان خلال العقود الماضية.
ففي جزء كبير من الخطاب العام، تبدو الحرب وكأنها الحالة الطبيعية، بينما يحتاج السلام دائمًا إلى التبرير والدفاع عن شرعيته. يصبح المطلوب من المطالبين بحماية الاستقرار أن يثبتوا براءتهم الوطنية، فيما لا يُطلب من دعاة الحروب الإجابة عن أسئلة الكلفة والنتائج والمسؤولية.
هذه المعادلة المقلوبة ساهمت في إبقاء لبنان داخل حلقة مفرغة من الحروب والدمار والانهيارات الاقتصادية والهجرة الجماعية.
والأخطر أنها رسخت مفهوم «الساحة» على حساب مفهوم «الدولة». فصار لبنان يُقدَّم باعتباره جبهة متقدمة أو ساحة مواجهة أو جزءًا من مشروع إقليمي أوسع، بدل أن يكون دولة ذات سيادة تحدد أولوياتها وفق مصالح مواطنيها.
لكن الدولة لا تُبنى على منطق الساحات والمحاور. الدولة تقوم على احتكار السلاح الشرعي، وعلى خضوع قرار الحرب والسلم للمؤسسات الدستورية، وعلى أولوية المصلحة الوطنية، وعلى حماية المواطنين قبل أي اعتبار آخر.
السؤال الحقيقي
لذلك، ليس السؤال الأساسي الذي يواجه لبنان اليوم هو ما إذا كان اللبنانيون يريدون التطبيع أم لا. فهذا نقاش سياسي مشروع يمكن أن تختلف حوله الأحزاب والتيارات والمواطنون.
السؤال الأهم والأسبق هو: هل يريد اللبنانيون استعادة دولتهم؟
هل يريدون دولة تحتكر السلاح وحدها؟ دولة تقرر وحدها متى تحارب ومتى تسالم؟ دولة تحدد سياستها الخارجية وفق مصالحها الوطنية لا وفق مصالح المحاور الإقليمية؟ دولة تحمي حدودها ومواطنيها وتمنع تحويل أراضيها إلى منصة لصراعات الآخرين؟
عندما تستعاد الدولة، يصبح النقاش حول السلام أو الحياد أو التطبيع نقاشًا طبيعيًا داخل الحياة الديمقراطية. أما قبل ذلك، فستبقى هذه العناوين مجرد واجهات تخفي المشكلة الحقيقية.
وربما يكون الخلط الأكبر الذي يعيشه لبنان اليوم ليس الخلط بين السلام والتطبيع فحسب، بل الخلط بين الدولة والساحة. فقبل أن يقرر اللبنانيون شكل علاقتهم مع الخارج، عليهم أولًا أن يحسموا مسألة أكثر جوهرية، هل يريدون لبنان دولة فعلًا، أم أنهم ما زالوا يقبلون بأن يبقى ساحةً تتصارع فوقها مشاريع الآخرين؟
فهذا هو السؤال الذي تتوقف عليه كل الأسئلة الأخرى، وهو السؤال الذي لا تستطيع أي مفاوضات جارية اليوم أن تتجاوزه أو تحل محله.

