دخل العدوان الإسرائيلي على لبنان شهره الرابع منذ انطلاقته في الثاني من آذار الفائت، مخلفاً خسائر بشرية ومادية فادحة تجاوزت الـ 3000 شهيد وقرابة المليون نازح، فضلاً عن آلاف المنازل المهدمة، وانعدام حاد في الأمن الغذائي يطال 1.24 مليون شخص على مستوى البلاد، بحسب ما نقله رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام ممثلي المهن الحرة.
وفي ظل هذه الأجواء الضاغطة، انطلقت في مبنى وزارة الخارجية الأميركية الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية يقودها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى.
تنعقد هذه الجولة على وقع نجاح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كبح جماح رئيس الكابينت الحربي الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس عن قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، مقابل امتناع حزب الله عن استهداف المدنيين في شمال إسرائيل والمستوطنات القريبة من الحدود.
خفايا «اتفاق التحييد الموضعي» والهامش الميداني
انجلت الصورة الدبلوماسية والميدانية بحسب القراءات الصحفية المتطابقة عن طبيعة الاتفاق الذي هندسه الرئيس الأميركي:
- حدود التفاهم الهش:
وفقاً لما أوردته صحيفة «نداء الوطن» نقلاً عن مصادر مفاوضة، فإن الاتفاق الذي حصل مؤخراً وافق عليه حزب الله والرئيس نبيه بري، يقتصر حصراً على معادلة موضعة: (وقف إطلاق الصواريخ باتجاه الشمال الإسرائيلي مقابل عدم استهداف الضاحية وبيروت)، وأن الرئيس ترامب يشكل الضامن الشخصي لمنع استهداف الضاحية. - الاستراتيجية الإسرائيلية المستمرة:
بناءً على هذا التفاهم المحدود، وضعت تل أبيب سياستها القائمة على مواصلة العمليات العسكرية في بقية المناطق؛ إذ أعلن الجيش الإسرائيلي استمرار عملياته في الجنوب واختراق وحداته لنهر الليطاني للسيطرة على بلدتي زوطر الشرقية والغربية، وتوجيه إنذارات لإخلاء مدينة النبطية والحي المسيحي في صور؛ بذريعة رصد عناصر للحزب هناك. - الموقف التحذيري لـ يسرائيل كاتس:
هدد وزير الدفاع الإسرائيلي صراحةً بأن إسرائيل لن تقبل بقصف الشمال دون رد قوي على الضاحية، مضيفاً أن “الولايات المتحدة تبنت معادلاتنا وأبلغت بها حكومة لبنان، وسيتضح في الأيام المقبلة إذا كان قصف الشمال سيتوقف أو سنبدأ بمهاجمة الضاحية”.
كواليس طاولة المفاوضات وأطروحة «إعلان النوايا»
استمرت الجلسة الأولى للمفاوضات حتى منتصف الليل وشهدت تقييماً أميركياً للجولات السابقة ومناقشة التطورات الأخيرة، وتلخصت وقائعها في الآتي:
- عُقدة الانسحاب والتمسك الإسرائيلي:
طبقاً لمعلومات قصر بعبدا التي نشرتها صحيفة «اللواء»، طُرحت على الطاولة بقوة فكرة صياغة «إعلان نوايا»، وأبدى لبنان جاهزيته لمناقشتها، إلا أن المقترح يصطدم بتعنت إسرائيلي؛ حيث أفادت «هيئة البث الإسرائيلية» بأن تل أبيب ملتزمة بعدم ضرب بيروت، لكنها ترفض الانسحاب من الأماكن التي تحتلها حالياً، متمسكةً بـ «حرية الحركة العسكرية» حتى بعد وقف النار، وهو بند تعتبره مكسباً لها من اتفاقات سابقة. - المقترح الأميركي والترتيبات الأمنية:
اقترحت الورقة الأميركية جدولاً زمنياً يمتد لـ 60 يوماً للانسحاب الإسرائيلي التدريجي، على أن يملأ الفراغ الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل). كما كشفت «هيئة البث الإسرائيلية» عن خطة أميركية تحظى بدعم إسرائيلي تتولى بموجبها قوات أميركية تدريب وتأهيل الجيش اللبناني لمواجهة حزب الله ونزع سلاحه مستقبلاً. - فصل سيادي صارم: رفض الوفد اللبناني بشكل قاطع إدراج ملف سلاح حزب الله على طاولة التفاوض، باعتباره شأناً يتعلق بالسيادة اللبنانية الداخلية حصراً، وتم إرجاء الملفات السياسية الكبرى (تثبيت الحدود البرية، إعادة الإعمار، والملفات السياسية الأخرى) إلى شهر تموز المقبل.
الموقف الرسمي اللبناني.. تفويض بعبدا وثبات السراي وعين التينة
وشهدت بيروت استنفاراً سياسياً وعسكرياً لمواكبة الوفد اللبناني وتزويده بالتوجيهات المستمرة:
- رئاسة الجمهورية والجيش:
واكب رئيس الجمهورية جوزاف عون المفاوضات مباشرة من قصر بعبدا بحضور “لجنة الدعم” وقائد الجيش العماد رودولف هيكل. ونقلت صحيفة «نداء الوطن» عن مصدر سياسي رفيع أن رئيس الجمهورية تلقى اتصالات من دول عدة ساهمت في إنجاز هذه التهدئة وشكرها على جهودها. وحول الجدوى، تقاطع موقف الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام على أن “المفاوضات هي الخيار الأقل كلفة على لبنان، وطريقنا أقصر لإنهاء الاحتلال وعودة الأهالي كلما توحدت الجهود تحت سقف الدولة لتثبيت وقف إطلاق نار شامل وبسط السيادة”. - نبيه بري وقدرة ترامب:
وفي حديث نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية (عبر روسيا اليوم)، اعتبر رئيس مجلس النواب نبيه بري أن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الوحيد القادر على إبرام وقف حقيقي لإطلاق النار وإلزام إسرائيل به”، مؤكداً أن حزب الله منفتح على وقف إطلاق نار جدي وحقيقي، بغض النظر عما إذا كان الاتفاق منفصلاً عن مسار إيران أو مرتبطاً به. - وزارة الخارجية الأميركية والاتصال بروبيو:
أفادت الصحف بوجود دعم أميركي للمطالب اللبنانية، تجلى في اتصال ليل وفجر الجلسة أجراه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض، أكد فيه روبيو تلقي واشنطن رسائل عبر الحكومة اللبنانية والرئيس بري تفيد بالتزام حزب الله بعدم ضرب العمق الإسرائيلي ما لم تُستهدف بيروت.
حزب الله يرفض المقايضة والحلول المجتزأة
في المقابل، خرج الموقف السياسي لحزب الله ليعلن رفضه التام للمعادلات الجزئية التي تحاول عزل المناطق اللبنانية عن بعضها البعض:
- تصريح محمود قماطي:
أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في تصريح مكتوب لـ «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ ف ب)، أن الحزب لن يوافق على أي اتفاق جزئي، قائلاً:”المقاومة والثنائي الوطني لم ولن يوافقوا على معادلة الضاحية مقابل المستوطنات. جوابنا كان واضحاً للمعنيين وبالاتفاق مع الرئيس نبيه بري؛ نحن نلتزم بوقف شامل وكامل وجدّي لوقف إطلاق النار بدون العودة إلى ما قبل 2 آذار”.
وحذّر قماطي من أن أي عدوان على الضاحية سيقابل برد أعمق وأقوى، وترجمت المقاومة ميدانياً هذا الرفض للمعادلة المجتزأة عبر مواصلة إطلاق رشقات صاروخية نحو العمق الميداني في نهاريا، وصفد، وكرمئيل، وكريات شمونة، رداً على الاستهدافات المستمرة للجنوب والبقاع. - إدارة الارتباك السياسي:
واعتبرت مصادر مطلعة لصحيفة «نداء الوطن» أن نفي قماطي العلني والتصعيدي يعكس محاولة واضحة لإدارة الارتباك داخل بيئة الحزب؛ بهدف الاستفادة من مفاعيل التفاهم الأميركي (تحييد الضاحية) دون تحمل الكلفة السياسية والاعتراف بالقبول الضمني بمعادلة جزئية تفصل العاصمة والضاحية عن جبهة الجنوب المشتعلة.
توبيخ وصرخات في كواليس واشنطن.. «مكالمة ترامب ونتنياهو الفضيحة»
على المقلب الأميركي-الإسرائيلي، استأثرت التسريبات التي نشرها موقع «أكسيوس» الأميركي باهتمام واسع في الصالونات السياسية، بعدما وُصفت في تل أبيب بأنها “أسوأ مكالمة” وأشبه بـ “الفضيحة الدبلوماسية”:
فقد كشف التقرير أن الرئيس دونالد ترامب وجّه توبيخاً حاداً وشديد اللهجة لنتنياهو، واتهمه بنكران الجميل، مذكراً إياه بوقوفه إلى جانبه ودعمه السياسي خلال محاكمته القضائية السابقة. وصرخ ترامب بوجه نتنياهو قائلاً:
“أنت مجنون.. كنت ستدخل السجن لولا دعمي لك! أنا أنقذك والجميع يكرهك الآن والجميع يكره إسرائيل.. ماذا تفعل بحق الجحيم؟ لن أسمح لك بتفجير الوضع في لبنان”.
وتقاطعت هذه التسريبات مع ما نقلته «هيئة البث الإسرائيلية» عن توجيهات ترامب الصارمة لفريقه الدبلوماسي بضرورة احتواء التصعيد في لبنان فوراً، بهدف قطع الطريق على طهران وحرمان إيران من الإمساك بملف ورقة التفاوض اللبنانية في أي محادثات إقليمية شاملة.

