رسالة إلى الله…

الشيخ عباس حايك

يا الله…

لا أكتب إليك لأنك لا تعلم ما يجري، بل لأن الذين يعلمون ما يجري لا يفعلون شيئًا.

جئتك برسالة لم يكتبها شاعر ولا فيلسوف، بل كتبتها الخيام الممزقة، والأقدام المتعبة على طرق النزوح، والعيون التي نامت جائعة وهي تحلم برغيف ووطن.

أكتب إليك من خيمةٍ لا تردُّ المطر، ومن بيتٍ صار ذكرى، ومن شارعٍ ينام فيه أطفالٌ لم يتعلموا بعد الفرق بين الوطن والمنفى.

أكتب إليك باسم امرأةٍ تحمل مفتاح منزلٍ لم يعد له باب، وباسم شيخٍ أنهكته الطرقات وهو يبحث عن زاويةٍ يضع فيها رأسه دون أن يطارده الخوف…

يا الله…

يقولون إن الأرض واسعة، لكن النازحين يعرفون كم تصبح ضيقة حين يُطرد الإنسان من اسمه ومن حيطانه ومن شجرة التين التي زرعها أبوه.

يقولون إن الفقر امتحان، لكن أحدًا لم يخبرنا لماذا يطول الامتحان إلى هذا الحد، ولماذا ينجح فيه دائمًا أصحاب القصور ويُترك الفقراء في قاعة الانتظار….

يا الله…

في هذه الليلة هناك طفلٌ ينام جائعًا، وآخر يرتجف من البرد، وثالث يسأل أمه: متى نعود إلى البيت؟ فلا تجد جوابًا إلا الدموع.

وأنت تعلم أن الدموع ليست وطنًا.

يا الله…

وفي هذا الليل المثقل بالخوف، هناك رجالٌ يقفون ببسالة دفاعًا عن أرضهم وأهلهم وبيوتهم، لا طلبًا لمجدٍ ولا بحثًا عن شهرة، بل لأنهم يؤمنون أن الأرض ليست مجرد تراب، بل ذاكرة وآباء وأبناء ومستقبل.

وهناك رجالٌ ونساءٌ من فرق الإنقاذ، يدخلون إلى الأماكن التي يهرب منها الآخرون، ينبشون الركام بحثًا عن نبضة حياة، ويحملون الجرحى بين أيديهم كما يحمل المؤمن صلاته الأخيرة.

هؤلاء أيضًا يا الله، لهم نصيبهم من الخوف والتعب والدموع، لكنهم يخفون وجعهم كي يمنحوا الآخرين بعض الطمأنينة، ويواجهون الموت لأن الحياة تستحق أن تُنقذ.

فاحفظهم، واحفظ كل يدٍ امتدت لانتشال إنسانٍ من تحت الركام، وكل قلبٍ بقي إنسانًا في زمنٍ صار فيه الخراب أكثر انتشارًا من الرحمة….

يا الله…

لا أكتب لأعترض عليك، بل لأشكو إليك منّا. من عالمٍ صار فيه الإنسان رقمًا في نشرات الأخبار. ومن ساسةٍ يتحدثون عن الأوطان فيما الناس تبحث عن رغيف. ومن تجار الحروب الذين يربحون من الدم أكثر مما يربح الفلاح من سنابل القمح.

ومن رجالٍ يتحدثون عن المجد فيما العائلات تبحث عن مأوى، وعن الانتصارات فيما الأمهات يعددن أسماء الغائبين، وعن المستقبل فيما الأطفال لا يجدون حاضرًا يليق بطفولتهم…

يا الله…

إذا كانت السماء تسمع، فأخبرها أن الأرض متعبة. وإذا كانت الملائكة تكتب، فأخبرها أن دفاتر الوجع امتلأت.

وأخبرهم أيضًا أن في الأرض بشرًا لا يريدون قصورًا ولا عروشًا، كل ما يريدونه سريرًا آمنًا، ورغيفًا يكفي أبناءهم، وصباحًا لا يبدأ بصوت الانفجارات.

أما نحن، فما زلنا نحاول أن نحرس ما تبقى من إنسانيتنا، ونقنع أطفالنا أن الغد قد يكون أقل قسوة من الأمس.

هذه ليست رسالة غضب.

إنها رسالة من الذين ضاقت بهم الأرض، فرفعوا رؤوسهم نحو السماء.

ومن الذين خذلتهم الأبواب كلها، فطرقوا بابك.

ومن الذين لم يبق لهم في آخر الليل سوى الدعاء، وسوى الأمل بأن يكون في الغد متسعٌ للحياة، ومكانٌ للعدالة، ووطنٌ لا يطرد أبناءه، وعالمٌ يتذكر أن الإنسان خُلق ليعيش لا ليُشرَّد.

ومن الذين خذلتهم الأرض، فلم يجدوا إلا السماء…

السابق
سلام يبحث التطورات الأمنية وملف النزوح… ونداء عاجل مرتقب إلى المجتمع الدولي
التالي
ماكرون: أهمية تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان ودعم السلطات اللبنانية بشكل جماعي