أعاد التاريخ نفسه في جنوب لبنان بنبرة مدججة بالحديد والنار والرموز، فبعد مرور أكثر من أربعة عقود على الاجتياح الإسرائيلي الشهير عام 1982، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي رسمياً توغله البري بعمق شمال نهر الليطاني، وصولاً إلى قمة «قلعة الشقيف» التاريخية (البوفور) وبسط سيطرته العسكرية الكاملة عليها.
وفي مشهد استعراضي يحمل دلالات سياسية وعسكرية بالغة الحساسية، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن مقاتلي لواء «غولاني» عادوا ليرفعوا العلم الإسرائيلي وعلم اللواء فوق أعلى قمة في القلعة، معتبراً هذا الحدث بمثابة إغلاق لدائرة تاريخية بدأت قبل 44 عاماً (وفق الحسابات العسكرية الإسرائيلية المرتبطة بذكرى قتلى حرب سلامة الجليل).
هذا التطور الميداني ليس مجرد تقدم تكتيكي لقوة برية غازية، بل هو زلزال عسكري يعيد رسم معادلات الصراع، ويفتح الباب واسعاً لقراءة الأهمية الإستراتيجية والرمزية لهذه القلعة التاريخية في مسار الحروب بين لبنان وإسرائيل، واستكشاف الدوافع الإسرائيلية العميقة الكامنة وراء الإصرار على احتلالها، فضلاً عن تشريح المسؤولية السياسية والعسكرية لـ«حزب الله» في التسبب بهذا الاحتلال الجديد، بعد أن تذوق اللبنانيون طعم التحرير الكامل ودحر الاحتلال عام 2000.
أولاً: الأهمية الإستراتيجية والجغرافية لـ «قلعة الشقيف»
لكي نفهم سر الصراع المحموم على «قلعة الشقيف»، لا بد من النظر إلى موقعها الجغرافي الفريد الذي جعلها منذ عهد الرومان، مراراً بالصليبيين والأيوبيين وصولاً إلى العصر الحديث، محط أنظار القادة العسكريين.
تربض القلعة، المعروفة تاريخياً باسم «بوفور» (Beaufort) أي الحصن الجميل، على صخرة شاهقة تبعد نحو كيلومتر واحد عن بلدة أرنون في قضاء النبطية، وترتفع أكثر من 700 متر فوق سطح البحر. ما يمنحها هذه الأهمية الإستراتيجية الفائقة هو “الرؤية الساقطة والمشرفة” (Overlooking View) على أربع جهات جغرافية حاسمة:
- مجرى نهر الليطاني: تشرف القلعة عمودياً على وادٍ سحيق يمر فيه النهر، مما يجعلها نقطة خنق ومراقبة مثالية لأي تحركات عسكرية في محيط النهر.
- سهل مرجعيون ومنطقة النبطية: تقع هاتان المنطقتان الحيويتان تحت المرمى البصري والناري المباشر لمن يسيطر على أسوار القلعة.
- الجليل الأعلى وشمال فلسطين المحتلة: تتيح القلعة كشفاً جغرافياً واسعاً للمستوطنات الإسرائيلية الشمالية، مما يعني أن من يسيطر عليها يملك القدرة على رصد وتوجيه الضربات بدقة لأهداف داخل العمق الإسرائيلي.
تاريخياً، لم تكن الشقيف مجرد معلم سياحي، بل كانت “العين التي ترى كل شيء” في جنوب لبنان. ومن يسيطر على هذه التلة يملك مفتاح التحكم بالمحاور المؤدية إلى البقاع الغربي وعمق الجنوب اللبناني، مما جعلها هدفاً دائماً في خطط الهجوم والدفاع.
ثانياً: الشقيف في تاريخ الحروب بين لبنان وإسرائيل (1976 – 2000)
بدأ الفصل الحديث من الصراع العسكري حول القلعة في منتصف السبعينيات، وتحديداً مع تحول جنوب لبنان إلى قاعدة انطلاق للعمليات الفلسطينية ضد إسرائيل. تحصنت فصائل «منظمة التحرير الفلسطينية» داخل أسوار القلعة السميكة ودهاليزها المحفورة في الصخر، واستخدمتها كمرصد متقدم لتوجيه القصف الصاروخي والمدفعي نحو مستوطنات الجليل.

تحولت القلعة إلى هاجس يؤرق القيادة العسكرية الإسرائيلية، فتعرضت لمئات الغارات الجوية والقصف المدفعي المركز الذي لم يفلح في اختراق تحصيناتها الصخرية.
ومع بدء الاجتياح الإسرائيلي الواسع للبنان في حزيران عام 1982 (عملية سلامة الجليل)، كانت «قلعة الشقيف» الهدف الأول والأكثر رمزية.
وفي 6 حزيران 1982، خاض لواء «غولاني» الإسرائيلي (نخبة قوات المشاة) واحدة من أعنف المعارك وأكثرها دموية في تاريخه ضد المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين المتحصنين داخل القلعة. ورغم نجاح الاحتلال في السيطرة عليها، إلا أن تلك المعركة كبدت لواء غولاني خسائر بشرية فادحة، من بينهم قائد القوة المهاجمة، وتحولت في الوجدان العسكري الإسرائيلي إلى رمز للمواجهة الشرسة والمكلفة.
على مدى 18 عاماً من الاحتلال (1982 – 2000)، حولت إسرائيل «قلعة الشقيف» إلى موقع عسكري شديد التحصين، وبنت في محيطها شبكة من الدشم الإسمنتية والمستودعات تحت الأرض، وزودتها بأحدث أجهزة الرصد الراداري والإلكتروني.
أصبحت القلعة رمزاً لـ«الحزام الأمني» الذي فرضته إسرائيل في الجنوب، وفي المقابل، غدت الهدف المفصل لوحدات المقاومة اللبنانية التي أذاقت جنود الاحتلال حرب استنزاف يومية بالصواريخ وقذائف الهاون والكمائن.
وفي 24 أيار عام 2000، وتحت وطأة الضربات المتلاحقة وخسائر الاستنزاف البشرية، اضطر جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى الانسحاب ذليلاً من جنوب لبنان. وقبيل خروجهم، فجّر الجنود الإسرائيليون التحصينات الحديثة التي بنوها داخل القلعة، ليرتفع العلم اللبناني فوق أسوارها لأول مرة منذ عقود، في حدث اعتبره اللبنانيون فجراً جديداً لسيادة الدولة والتحرير الكامل.
ثالثاً: لماذا تصر إسرائيل على إعادة احتلالها؟
العودة الإسرائيلية الحالية إلى الشقيف، ورفع علم لواء «غولاني» مجدداً فوق أنقاضها، تبرهن على أن عقيدة الأمن الإسرائيلية لا تزال ترى في هذا الموقع حاجة حيوية لا يمكن الاستغناء عنها في أي مواجهة شاملة. وتتلخص دوافع الإصرار الإسرائيلي على احتلال القلعة في ثلاثة أبعاد:
- البُعد العسكري العملياتي: في ظل تطور حرب الصواريخ والمسيرات، تحتاج إسرائيل إلى نقاط مراقبة أرضية مرتفعة تدعم منظوماتها التكنولوجية. السيطرة على الشقيف تمنح جيش الاحتلال إشرافاً نارياً وبصرياً كاملاً يمتد شمالاً وجنوباً، ويمكّنه من شل حركة أي جيش أو مقاتلين في وادي السلوقي ومحيط النبطية ومجرى الليطاني.
- تأمين «الجبهة الداخلية» الإسرائيلية: من منظور تل أبيب، فإن إخلاء القلعة عام 2000 سمح بتحويل المرتفعات المحيطة بها إلى منصات لإطلاق مئات الصواريخ باتجاه مستوطنات «المطلة» و«إصبع الجليل». لذا، فإن السيطرة عليها تُعد خطوة أساسية في استراتيجية “إبعاد التهديد المباشر” وإنشاء حزام أمني جديد شمال الليطاني.
- الحرب الرمزية والنفسية: للقلعة مكانة خاصة في “الرواية العسكرية الإسرائيلية”. العودة إليها بعد تفجيرها عام 2000 هي محاولة لترميم الردع الإسرائيلي المتآكل، وتوجيه رسالة انكسار نفسي لخصومها بأن “القلاع التي خرجنا منها، عدنا إليها بقوة السلاح”.
رابعاً: كيف تسبب «حزب الله» في هذا الاحتلال الجديد؟
لم يكن للاحتلال الإسرائيلي أن يجد الذريعة أو الممر السياسي والعسكري للعودة إلى «قلعة الشقيف» وتجاوز نهر الليطاني، لولا الاستراتيجية التي انتهجها «حزب الله» طوال السنوات الماضية، والتي قادت الجنوب برمته إلى هذه النكبة الجديدة. ويمكن تفنيد هذه المسؤولية عبر النقاط الآتية:
1. مصادرة قرار السلم والحرب ونسف مظلة الدولة
منذ التحرير عام 2000، رفض «حزب الله» الانضواء تحت سلطة الدولة اللبنانية أو تسليم سلاحه للجيش اللبناني، مبقياً على الجنوب كـ«ساحة مفتوحة» خارجة عن سيادة القانون الشرعي. وبدلاً من تحصين التحرير عبر نشر الجيش اللبناني على الحدود وبناء مؤسسات الدولة، أصر الحزب على إبقاء المنطقة صندوق بريد عسكرياً إقليمياً.
2. زج لبنان في «حرب الإسناد» تلبية للأجندة الإيرانية
جاءت النكبة الحالية نتيجة مباشرة للقرار الأحادي الذي اتخذه «حزب الله» بفتح جبهة الجنوب تحت مسمى «حرب الإسناد». هذا القرار لم يأخذ بالاعتبار المصلحة الوطنية اللبنانية، بل جاء التزاماً بـ«الأجندة الإيرانية» وتوازنات “محور المقاومة”. وجد أبناء الجنوب أنفسهم كبش محرقة في مواجهة مدمرة، بينما كانت طهران تفاوض واشنطن خلف الكواليس لتحسين شروطها الإقليمية، تاركةً القرى اللبنانية تواجه آلة الدمار الإسرائيلية وحيدة.
3. بناء بنية تحتية عسكرية تحت غطاء مدني
زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي بأنه عثر في مرتفعات الشقيف ووادي السلوقي على بنى تحتية عسكرية ضخمة ومستودعات أسلحة أقيمت على مدى سنوات بتوجيه وتمويل إيراني. إن تحويل المناطق المحيطة بالمعالم التاريخية والبلدات الآهلة بالسكان إلى مخازن سلاح ومنصات إطلاق صواريخ، منح إسرائيل الذريعة القانونية والعسكرية الكاملة أمام المجتمع الدولي لشن “عملية تطهير واسعة” واحتلال هذه المرتفعات بحجة حماية أمنها الداخلي.
4. الانفصام عن الوقع والغرور السياسي
طالما تبجح الحزب بشعارات “الردع” وأن إسرائيل لن تجرؤ على التقدم متراً واحداً في أرض الجنوب، بل وهدد بالدخول إلى الجليل. هذا الغرور الخطابي تبخر أمام حقيقة الميدان وقسوة تفوق سلاح الجو الإسرائيلي واستراتيجية الأرض المحروقة، مما أدى في النهاية إلى تهاوي خطوط الدفاع العسكرية، وعودة الدبابات الإسرائيلية لتقف فوق قمة الشقيف، مسببةً موجة نزوح وتطهير عرقية جديدة لأهالي الجنوب الذين عبروا علناً عن امتعاضهم من «مجانية التضحية» بأرزاقهم ومستقبل عائلاتهم.
صراع الرواية المفتوح فوق أنقاض البوفور
تتحول «قلعة الشقيف» اليوم مجدداً من حجر تاريخي صامت إلى عنوان عسكري لـ«معركة متعددة الطبقات». إن السيطرة الإسرائيلية الجديدة عليها، المستندة إلى غطاء ناري كثيف وإنذارات تهجير قسري وصلت إلى حدود نهر الزهراني، تمثل انتكاسة كبرى لإنجاز التحرير الذي تحقق عام 2000، وتكشف زيف وعود الحماية التي صودر بموجبها قرار الدولة اللبنانية.
بين احتفال وزير الدفاع الإسرائيلي برفع العلم فوق القمة، ومرارة النزوح الإنساني التي يعيشها أبناء الجنوب، تبقى القلعة شاهداً على أن الحروب بالوكالة لا تخلف سوى الدمار، وأن حماية الأوطان لا تبنى بالخطابات الحماسية والأجندات العابرة للحدود، بل بالالتزام بالشرعية الوطنية، والالتفاف حول الدولة وجيشها الوطني كراحمٍ وحامٍ وحيد لأرض جبل عامل وباقي ربوع لبنان.

