التفاوض تحت النار: إسرائيل تتقدّم جنوباً..والمحادثات اللبنانية الاسرائيلية لم تلجم الحرب

shkeif

مع دخول المواجهة في جنوب لبنان مرحلة أكثر خطورة، يبدو أن الميدان بات يسبق السياسة بخطوات واسعة. فبينما كانت بيروت تأمل أن تفضي المحادثات العسكرية اللبنانية – الإسرائيلية التي استضافها البنتاغون إلى وقف فوري لإطلاق النار، جاءت النتائج مختلفة تماماً. إسرائيل أعلنت تمسكها بمواصلة عملياتها العسكرية وعدم الانسحاب ما دامت تعتبر أن “التهديد قائم”، فيما تستمر الغارات والتوغلات البرية لتفرض وقائع جديدة على الأرض قبل الجولة السياسية المرتقبة في واشنطن مطلع حزيران.

واشنطن تفتح المسار الأمني

المحادثات العسكرية التي استمرت تسع ساعات في مقر وزارة الدفاع الأميركية لم تُسفر عن اختراق حاسم، لكنها رسمت معالم مرحلة جديدة من إدارة الأزمة. فالإدارة الأميركية تنظر إلى المسار الأمني باعتباره المدخل الإلزامي لأي تقدم سياسي لاحق، وتربط بشكل واضح بين الاستقرار الحدودي وبين معالجة ملف السلاح خارج سلطة الدولة.

بيان البنتاغون الذي وصف اللقاءات بـ”البناءة” حمل رسائل تتجاوز الجانب العسكري، إذ أكد دعم واشنطن لسيادة لبنان، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن يكون البلد خالياً من الجماعات المسلحة غير الحكومية. وهي إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة تعتبر مسألة حصر السلاح شرطاً أساسياً لإنجاح أي تسوية طويلة الأمد.

الدولة اللبنانية تتمسك بوقف النار

في المقابل، يحاول لبنان الرسمي تثبيت أولوية مختلفة تقوم على وقف العمليات العسكرية أولاً. وقد عكست اللقاءات التي جمعت رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام هذا التوجه، حيث شدد الجانبان على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة التي طالت مدناً وقرى في الجنوب، وأدت إلى مزيد من التهجير والدمار.

غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن المفاوض اللبناني يجد نفسه بين ضغطين متناقضين: ضغط إسرائيلي يربط أي انسحاب بمعالجة مصادر التهديد الأمنية، وضغط داخلي يتمثل برفض “حزب الله” إعطاء الغطاء السياسي لمسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر لا ينسجم مع حساباته الإقليمية.

الثنائي الشيعي: لا تفاوض من موقع الضعف

الموقف الذي عبّر عنه النائب علي فياض يلخص رؤية “حزب الله” وحلفائه للمرحلة الحالية. فالحزب يرى أن استمرار المقاومة المسلحة يشكل عنصر القوة الوحيد الذي يمنع فرض شروط إسرائيلية كاملة على لبنان، وأن أي تفاوض يجري في ظل تراجع القدرة العسكرية للمقاومة سيقود إلى تنازلات قسرية.

لكن هذا المنطق يواجه انتقادات واسعة داخل لبنان، حيث يعتبر خصوم الحزب أن استمرار القتال لم يعد يحقق مكاسب سياسية أو ميدانية، بل يفاقم الخسائر البشرية والاقتصادية ويمنح إسرائيل مبررات إضافية لمواصلة عملياتها العسكرية.

العدوان يتقدم في الميدان

على الأرض، تبدو إسرائيل الأكثر قدرة على فرض الإيقاع. فالتقدم المسجل باتجاه الغندورية، والغارات المكثفة على محيط قلعة الشقيف ودبين وخربة سلم وحاريص وعبا، إضافة إلى توسيع دائرة الإنذارات والإخلاءات نحو مناطق النبطية والبقاع الغربي، كلها مؤشرات إلى أن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى توسيع نطاق الضغط الميداني وإبعاد أي بنية عسكرية محتملة عن حدوده الشمالية.

في المقابل، يواصل “حزب الله” استهداف القوات الإسرائيلية، كما تشير التقارير الإسرائيلية إلى توسيع نطاق الرمايات نحو منطقة ميرون في عمق الجليل الأعلى، في محاولة لإظهار أن قدرته العملياتية لم تُستنزف بالكامل رغم الضربات المتواصلة.

بين التصعيد والتسوية

المشهد الحالي يوحي بأن الطرفين يحاولان تحسين شروطهما قبل الجولة السياسية المقبلة في واشنطن. إسرائيل تريد التفاوض من موقع التفوق العسكري، فيما يسعى “حزب الله” إلى إثبات أنه ما زال يمتلك أوراق ضغط ميدانية. أما الدولة اللبنانية فتجد نفسها أمام مهمة شديدة الصعوبة: وقف الحرب ومنع المزيد من التدمير، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية حول مستقبل السلاح ودور المقاومة.

وعليه، فإن الأيام الفاصلة عن محادثات الثاني والثالث من حزيران ستكون حاسمة. فإذا نجحت واشنطن في تحويل المسار الأمني إلى أرضية تفاهم سياسي، قد تبدأ ملامح تسوية جديدة للجنوب بالظهور. أما إذا بقيت المواقف على حالها، فإن الميدان مرشح لمزيد من التصعيد، مع ما يحمله ذلك من أخطار على الجنوب اللبناني وعلى الاستقرار الداخلي برمته.

السابق
صفارات الإنذار تعود إلى صفد… وإسرائيل تعلن استهداف موقع لـ«الحزب» جنوب لبنان
التالي
فلسطين: إدراج إسرائيل على قائمة العار بشأن العنف الجنسي واقعي