لم تبدأ محاولة إبادة مدينة صور بشكل تدريجي مع الغارات الإسرائيليّة الأخيرة التي استهدفت أعرق الأحياء وأكثرها رمزيّة، بل بدأت مع دخول حزب الله إلى عمق التركيبة الثقافيّة الصوريّة. فالمدينة التي تتميّز منذ آلاف السنين بتنوّعها الديمغرافي والديني والطائفي، لم يكن الدين فيها سوى خيار شخصي يُمارس داخل دور العبادة، فيما كانت الحياة العامّة قائمة على الانفتاح والتعدّد.
أمّا اليوم، فإنّ منطق السواد والمآتم بات ينخر الأحياء الشعبيّة للمدينة، فيما غلّفتها حركة أمل بخط بحري ذي طابع سياحي جعل معظم وسائل الإعلام تقع في فخ اختزال صور بمطاعم وفنادق لا يرتادها فعليًا سوى المغتربين أو مناصري الأحزاب أو أبناء قضاء صور المؤلف من 65 قرية.
إخضاع المجتمع بين الخوف والمصلحة
تمظهرت الإبادة الثقافيّة والسياسيّة لصور عبر عشرات القصص والتفاصيل اليوميّة. من بينها قصّة أحد كبار التجّار السنّة في المدينة، الذي عمل ثنائي الأمر الواقع في أواخر القرن الماضي على نفيه بسبب معارضته وهويّته اليساريّة. وبعد عودته، اضطر إلى الرضوخ حفاظًا على مصالحه، فعلّق صورة للرئيس نبيه برّي وأخرى أصغر للأمين العام السابق لحزب الله السيّد حسن نصرالله.
هذا النموذج ليس استثناءً، بل صورة مصغّرة عن واقع دفع كثيرين من السنّة والمسيحيين، الذين كانوا يشكّلون أكثرية في المدينة، إلى تبنّي براغماتيّة قاسية تقوم على الموالاة مقابل لقمة العيش أو منحة مدرسيّة أو قارورة غاز أو وظيفة في القطاعين العام والخاص.
إعلام مأجور وتشويه لكل معارض
صور اليوم، تلتهمها الظلامية، يتحكّم بمفاصل إعلامها عدد من “الناشطين” المأجورين الذين يعملون وفق منطق الدولار لتشويه سمعة كل معارض أو التحريض عليه ومنعه من دخول المدينة بتهم العمالة والارتهان للسفارات.
حتى صورة المدينة إعلاميًا بات يتصدّرها أفراد صُنعت لهم أدوار فجائيّة، فتحوّل بعض العاملين السابقين في المهن البسيطة إلى “مؤثّرين” يقودون حملات شتائم وتحريض إلكتروني دفاعًا عن حزب الله، ضمن مجموعات تمارس دور الذباب الإلكتروني ضد كل رأي معارض.
وفي موازاة ذلك، يجري تخدير الناس عبر اللطميات والأناشيد الحزبيّة التي تُدمج بصور الدمار والحرب، فيما تحوّلت بعض الأغاني التي كانت تحمل بعدًا وجدانيًا أو وطنيًا إلى مادة مستهلكة ومبتذلة قياسًا بحجم النكبة والخسارة.
“هول وحوش”… مدينة يحكمها الخوف
في الأيّام الأخيرة، دخل أحد المعارضين متخفيًا إلى المدينة، فاقترب منه أحد أصحاب المحال التجاريّة هامسًا بخوف:
“يا أستاذ نحنا معك ومنحبك ومنعرف ثقافتك وأخلاقك، بس هول وحوش… أهل الحارة ما بيتعلّق معن”.
هذه العبارة تختصر حجم التحوّل الذي شهدته صور خلال العقدين الماضيين، حيث نجح حزب الله في تنميط أبناء الأحياء الشعبيّة ووسمهم بصورة “الجلاجيق”، وربط كل مظاهر التشبيح والخوّات والعنف بهم.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الإعلام اللبناني من خلال المعارك وحروب العصابات التي شهدتها شوارع المدينة، بينما كان الحزب حريصًا على تحميل حركة أمل تبعات هذه الصورة، في وقت سعى فيه الرئيس نبيه بري منذ نهاية الحرب الأهليّة إلى تقديم الحركة كجهة أكثر احتواءً للمعارضين والطوائف المختلفة، مستفيدًا من حدّة الخطاب العقائدي لدى حزب الله لكسب هامش شعبي داخل المدينة.
القصف الإسرائيلي… بين الأمني والسياسي
الاستهدافات الإسرائيليّة الأخيرة لصور بشكل وحشي تحمل دلالتين أساسيتين. الأولى مرتبطة بمعلومات سبق أن كشفها موقع “جنوبيّة” حول احتمال وجود لجنة أمنيّة ومستودع مسيّرات تابعين لحزب الله في حي الكريت، الذي أُبيد قسم كبير منه قبل دقائق من وقف إطلاق النار.
أمّا الدلالة الثانية فهي سياسيّة، وتتعلّق بموقع الرئيس نبيه بري وترنّحه بين دعم حزب الله ومحاولة التمايز عنه عبر تصريحات متفرّقة لناشطين ونواب محسوبين على حركة أمل.
صور التي لا تُختصر بالآثار ولا بالسياحة
بعيدًا عن التحليلات، فإنّ كل شارع في صور يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة. من المباني المتواضعة إلى الأحياء الشعبيّة البعيدة، ومن السوق القديم الذي رغم انضمامه إلى مشروع “الإرث الثقافي” لا تزال أزقته تحمل ذاكرة لا يقرأها سوى أبناء المدينة الحقيقيين.
صور أيضًا هي ميناؤها الذي يوثّق حركة الصيد والتجارة، وحارتها القديمة المنقسمة بين الحي المسيحي المزدان بالكنائس والورود والفنادق الصغيرة والمطاعم، والحي المسلم الذي يطفو عليه السكون وبعض البقع الأثريّة والأزقّة العتيقة.
وهي كذلك شارع الملاح وحي المصاروي وحي الرمل وشارع أبو ديب وحي الكريت الذي انطلقت حكايته الحديثة منذ ستينيات القرن الماضي مع معمل البوظة الذي شكّل ظاهرة اجتماعيّة في المدينة وقضائها.
ذاكرة الناس… لا ذاكرة التقارير
صور ليست فقط آثارًا وصورًا سياحيّة وتقارير تلفزيونيّة “معمولة من أفى الإيد”. صور هي مقاهي الدقّة والحلبي والنانو الشعبيّة، وقصر آل مملوك، ومركز المطالعة والتنشيط الثقافي، ومعمل النبيل للحلويات، ودكّان أم علي الشقرا، وخليل حجازي، ومطاعم البارود وحاجو والمزرعاني للفول، وصالون ستاركو والبدوي، وطنافة “الدوغا”، ومحلّات خاطر والوفاء للألبسة.
اختزال المدينة بتاريخها الفينيقي أو بمنتجعاتها البحريّة هو ظلم لذاكرة حيّة ومتجدّدة لا تزال تقاوم المحو.
الحاجة إلى معارضة تُعيد الحياة إلى المدينة
اليوم، ومع الهجمات الإسرائيليّة وتهجير القسم الأكبر من سكان صور وقضائها، يبقى الهاجس الأساس تأمين العودة، والبدء ببناء معارضة حقيقيّة لا تستثني أحدًا، خصوصًا الشباب، لتمزيق هذا الرداء الداكن وإعلاء صوت الحياة فوق صوت اللطم والعزاء.
صور يجب أن تكون على هوى غازي قهوجي وألوان لوحاته الرحبانيّة، وحرّة بثورة محمد الزيات وعطاء إلياس شربين، وصور التي رآها عصام العبدالله: ” جبّة وعمامة وناس من بخّور”.

