محمد حسين شمس الدين.. مفكّراً ومناضلاً وصديقاً

محمد حسين شمس الدين

نادراً جدّاً ما كتبتُ رثاءً في صديقٍ أو عزيزٍ؛ وعلى كل حال، فمنابر الرّثاء والوفيات هي أيضاّ تحتلّها الأحزاب.

محمّد حسين شمس الدين لديه سكينةُ نفسٍ تفتح باباً لإنشاء صلةٍ تدخلك إلى ذاتها، فتتّسع سكينتك أنت إليه.

عادة ما نشبّه المتانة والثبات بالوتد أو بجذع شجرةٍ عتيقة. محمّد حسين كانت متانته مساحةّ ومدى، ولم تكن نقطوية أوعمودية. رحابة سكينته ومداها يعطيانك مجالاً ومساحة للحركة وللتفاعل وحتى للمناورة المؤدّبة. وتلك هي سكينة الرجل الواثق، المطمئنّ إلى ذاته وإلى عقله وإلى خياراته.

لم أره قلقاً أبداً ولا متوتّرا، ولا أقول إنه لا يقلق ولا يتوتّر، فهذا جزء من طبيعة البشر، و”أبو علي” كان شديد البشريّة، بالمعنى القرآني، “بشرٌ مثلكم” كان بشراً مثلنا، مثل الناس الطيبين، كان بشراً من طين، من طين لبنان وطين اللبنانية الوطنية..

كان مرتاحاً لطبيعته ومطمئنّاً إلى قناعاته التي كان يفحصها دائماً، لا ليتفقّد وجودَها بل ليزدادَ يقيناً بصوابيتها؛ وهو كان – بلغة هذه الأيام – بالإضافة إلى لبنانيته، كان إسلامياً شيعياً، لا شيعيا فحسب، بالمعنى العميق للتشيّع وهو معنى بسيط وبديهي في آنٍ معاً: أن تخشى الله، أن تتعاون مع الناس وتُحسِنَ إليهم، أن تنصحهم وترقى بهم ومعهم، وأن تحفظهم في مالهم وأمنهم، وأن تكون أميناً لعهدك معهم إن عاهدتَهم، وأن لا تَنْقُضَ ميثاقك معهم بعد أن تعاهدتم عليه، ذلك “إن العهد كان مسؤولاً”؛ العهد والميثاق اللذان يربطان الشّيعة بلبنانيتهم وبوطنهم، وبمواطنيهم الآخرين.

لم يكن محمد حسين نجماً ولا بطلاً في رواية، لكنه كان قطعا شريكاً في كتابتها وأحياناً منفرداً في كتابة معظمها؛ وكان يكتب للبيان، وكان يكتب ليتصل، وكان يكتب ليجمعَ الناس حول النص وليس حول البطل، حول الفكرة والمفهوم، حول العهد والميثاق، ليصلوا إلى قناعة ذاتية، كلٌّ منهم على حِدة وكلّهم مجتمعين، حتى يصبح بالإمكان المحتمل أن يكونَ كلٌ منهم بطلاً للرواية الآن في الحاضر، أو في المستقبل.

كان مرتاحاً لطبيعته ومطمئنّاً إلى قناعاته التي كان يفحصها دائماً، لا ليتفقّد وجودَها بل ليزدادَ يقيناً بصوابيتها؛ كان إسلامياً شيعياً، لا شيعيا فحسب، بالمعنى العميق للتشيّع

كانت اللغةُ أداتَه الجميلة، ووسيلَتَه الطيِّعة ومركَبه الذي يصلُ دون تخبّط أو افتعال؛ كان أنيقَ القلمِ والكلمةِ ودقيقَها، جامعاً مانعاً في العبارة، داعماّ لها بالوثيقة أو التاريخ، في المتن وفي الهامش، وأحياناً يصبحُ هامشُه – لأساسيته – متناً. كان حارساً للكلمة يطوّعها بوعي العارف وأناقةِ الشاعر، وهو ابن بيت أدبٍ وعلمٍ وشعر، وشقيقٌ لشاعرٍ كبير كبير.

لم يكن يبحث عن دور أو عن وضع، ولكنه كان مدركاً للأدوار وللأوضاع، متبصّراً فيها؛ وبسكينته التي نطمئنّ إليها، كان يستخلص من تلك الأوضاع ما يقدّمه نصيحةّ أو رأياً أو تنبيهاً.

لم يبسط يده – كالصالح من ابنيّ آدم- إلى أحد ليقتله، كان مسالماً وسلمياً، وكان، ببشريته الآدمية والطبيعية، يحفظُ الآخرين، وكان يحرص أن يكون نصُّه صالحاً حتى يُتَقبَّلَ، وأن لا يكونَ نصَّ فتنةٍ بين الناس أو وقرباناّ لإله غير شرعي من آلهة الهوى.

كنتَ إذا نظرت إلى وجهه وملامحه، وحدّقت في عينيه، تعرفُ فوراً أنك لن تخاف منه، كأن وجهه كان نصَّ وداعةٍ وسلام، وكان البوابةَ إلى مساحة سكينته ومدى سلميته.

آخرُ زيارة لي إليه كانت في الليلة التي سبقت نهار رحيله. جلست إليه حوالي الساعة، كان مستلقياً على سريرٍ مواجهاً باب غرفته التي يتّصل بنظره عبره بأهل بيته، ومواجهاً تلفزيونا مثبّتاً أمامه على الحائط، مثل نافذةٍ يراقب منه العالَم. ساعدته لينهضَ بجسده – الناحل جداّ حتى صار مسمارياً – وأسند بعض ظهره إلى ظهر سريره، ورحنا نتحدث؛ لم يكن حديثَ سليمٍ مع مريض، بل كان حديثَ سليمين، وكان حاضر الذهن واضح النبرةَ رغم ألمٍ من تقرّح لسانه. لم يكن يتصرفُ أو يتكلمُ أو يهجِسُ كرجلٍ راحل، بل كان هادئاً مستكينا وحاضراً حتى أني شككت في كوني أعلمُ حقيقةَ مرضه.

كانت اللغةُ أداتَه الجميلة، ووسيلَتَه الطيِّعة ومركَبه الذي يصلُ دون تخبّط أو افتعال؛ كان أنيقَ القلمِ والكلمةِ ودقيقَها، جامعاً مانعاً في العبارة، داعماّ لها بالوثيقة أو التاريخ، في المتن وفي الهامش

كان صار ممتنعاً عن الطعام، لكنه تحمّسَ أن يشرب “كباية شاي” معي، بل إنه قبل مني أن يتناول دواءََ مخفِّفاً لتقرحات فمه وسُرَّت زوجته لذلك.

“أراك غداً أو بعد غدٍ” قلت له، وأنا واثق من عبارتي تلك لِما رأيتُه من ثباته وسكينته.

لم أره بعدها.. لكنه لا يزال حاضراً بسكينته في اضطرابي له.

الرجل الهادئ كان أبو علي محمد حسين شمس الدين، وأحبّ الآن أن أسمّيه، أن أطلق عليه لقب “الدون الهادئ”، وإنْ كان نهرُ ميخائيل شولوخوف يسيرُ متعرجاً ملتوياً في أرضٍ روسيةٍ متسعةٍ راسخة وممتدة، في حين أنَّ محمد حسين كان مستقيماً واضحاً متّحداً مع نفسه، في أرضٍ لبنانيةٍ متحركةٍ متغيرة مضطربة، ومتقلصةٍ ربما..

 محمد حسين كان مفكراّ صاحبَ بصيرة، ومناضلاً شريفاً، وصديقاً أميناً..

سلامٌ إلى روحك ودعاءٌ بالمغفرة لنفسك.

(كلمة الوزير السابق ابراهيم شمس الدين في ندوة “جنوبية” بتكريم الراحل محمد حسين شمس الدين)

السابق
في يوم حفظة السلام.. «اليونيفيل» تؤكد التمسك بالحل الدبلوماسي رغم «أحلك الظروف» بالجنوب
التالي
زامير يعلن مواصلة التوغل: نعمّق ضرباتنا ضد حزب الله والمناورات تمتد إلى مناطق جديدة