ثمة مفارقة غريبة في عقل وممارسة “حزب الله” وحليفته “حركة أمل” في الممارسة السياسية اللبنانية التي ينتهجانها، حيث لا يزالان يُكابران رغم كل الهزائم التي مُنيا بها على مرّ سنوات، لا سيما في السنوات الأخيرة منذ حرب إسناد غزة في الثامن من تشرين الأول – أكتوبر 2023 وحتى اليوم.
ففي إسناد غزة تلك، تمكنت إسرائيل من احتلال مناطق واسعة من جنوب لبنان، وتباكيا حتى حصلا على قرار وقف للأعمال العدائية في السابع والعشرين من تشرين الثاني – نوفمبر 2024، وقد فاوض باسم الثنائي رئيس “حركة أمل”، الشقيق الأكبر وفق تسمية “حزب الله” وأمينه العام الأسبق حسن نصرالله. وقد فاوض ووقّع مع شريكه “حزب الله” وأمينه العام الحالي نعيم قاسم على قرار انسحاب “حزب الله” من منطقة جنوبي الليطاني وتسليمها للجيش اللبناني، ووقّعا على عدم حيازة السلاح إلا لأجهزة الدولة اللبنانية، وتمت تسمية الذين يحق لهم حيازة السلاح بالاسم وفق النص الذي وقّعا عليه:
الجيش اللبناني، قوى الأمن الداخلي، الأمن العام، أمن الدولة، وشرطة البلديات.
انقلاب على الاتفاق والتزامات الدولة
الثنائي، ممثلًا بنبيه بري المفاوض الأوحد، وبالتعاون مع “حزب الله” ممثلًا بنعيم قاسم، وقّعا على اتفاق وقف الأعمال العدوانية، ولكن ما إن استتبّ لهما الأمر حتى عادا وانقلبا على توقيعهما، وبدآ بعملية تكاذب كبرى بأن نزع سلاح “حزب الله” لا يشمل سوى منطقة جنوبي الليطاني.
ولم يكن موقف بري مغايرًا لموقف “حزب الله”، بل كان مماثلًا له ومغايرًا للحقيقة، وبدأت معه تتدرج أساليب الكذب والنفاق وتتطور يومًا بعد يوم.
وأيضًا، فإن تلكؤ الدولة اللبنانية عن تنفيذ قراراتها، الجريئة منها والعادية، وتكليف الجيش، والذي فيه الكثير من الشوائب، بقي يماطل ويُصدر بيانات خلو جنوبي الليطاني من السلاح، إلى أن أتت الحرب الأخيرة فكشفت عملية التواطؤ الكبرى بين ثنائية “أمل – حزب الله” والدولة اللبنانية وجيشها، الذي عجز عن تنفيذ قرارات الحكومة، حتى بات العالمان العربي والغربي لا يثقان بالدولة اللبنانية، ولا يصدّقان التزاماتها أو يأخذونها على محمل الجد.
مسؤولية الدولة والجيش
فلو أخذت الدولة اللبنانية بجدية تنفيذ قراراتها، ومارست حقها في منع تسلح “حزب الله” وعودته إلى مناطق الجنوب بصمت وتواطؤ من بعض الجيش خلال الخمسة عشر شهرًا المنصرمة، لما كنّا وقعنا في المحظور الذي يعيشه لبنان وشعبه حاليًا من دمار وتهجير ونزوح.
لذا، على الدولة اللبنانية أن تأخذ الأمور على محمل الجد، وتتخلص من التلهّي بالأشياء البسيطة.
إلى فخامة الرئيس: الأولويات الوطنية
فيا فخامة رئيس الجمهورية، ليست من مهماتك الاتصال للتعزية بشهيد أو متوفى، وليس مهمًا أن تهنّئ إحدى الفائزات ببطولة ما، بل من صلب مهماتك أن تُتابع ما يحدث على الساحة اللبنانية من أعمال مخلة بالأمن الوطني، وما يصدر من كلام سياسي يقوّض السلم الأهلي، بل ويحرّض على الأحقاد والانقسام في الوطن.
فمهمتك متابعة الأمور بمجملها عبر الأجهزة المختصة لإصدار الأوامر لاعتقال المخلّين بالأمن، ولمن يؤججون الأحقاد والانقسامات مهما كانوا، أو علت مناصبهم في الدولة أو من خارجها، بدءًا من نعيم قاسم ومحمود قماطي وغيرهم ممن يطلّون يوميًا عبر وسائل الإعلام، هذا عدا عن أبواق “حزب الله” و”حركة أمل” الذين يبثّون سموم التفرقة بين اللبنانيين يوميًا.
وأظن أن أجهزة المخابرات تملك المعلومات الدقيقة بالأسماء والتواريخ لإطلالاتهم وكلامهم المسجل بالصوت والصورة، وعلى الأجهزة اللبنانية متابعة ما يتعرض له اللبنانيون الذين يُعارضون “حزب الله” من مضايقات وعمليات تخوين يوميًا وعلى مدار الساعة، بدل التلهّي بدعوة الناشطين السياسيين المناوئين لـ”حزب الله” و”حركة أمل” إلى مكاتب الأجهزة الأمنية بحجة القدح والذم، وعن مقابلة أو غيرها، مع العلم أن لا شيء فيها يعرّض السلم الأهلي للخطر، بل من يعرّض السلم الأهلي للخطر معروف الاسم والعنوان والجهة التي تقف خلفه.
القسم والمسؤولية التاريخية
فخامة الرئيس، الوطن أمانة بين يديك، لأنك أنت وحدك من يُقسم على الدستور وحماية البلاد، لذا أنت وجهتنا وقبلتنا للشكوى مما يحدث.
فخامة الرئيس، بينما المفاوضات ستبدأ بعد يومين، لماذا لا تذهب أنت وتلتقي الرئيس ترامب وتضعه في تفاصيل الأمور، وتكون بجانب الوفود اللبنانية العسكرية والسياسية؟ وهذا ليس انتقاصًا منهم ومن مناقبيتهم، بل زيادة في تدعيم صفوفهم.
حتى لو قُدّر لك أن تلتقي رئيس حكومة إسرائيل، فلِمَ لا؟ وممّ الخوف؟ المهم أن تُحافظ على الوطن والشعب، وأن توقف المجزرة التي يتعرض لها أهل الجنوب وباقي مواطني لبنان.
فالجنوب، يا فخامة الرئيس، يحترق ويُدمّر. بالأمس تم تهديد مدينة صور ومحيطها، وفخامتك بالطبع تعلم ما تمثل هذه المنطقة من تاريخ وحضارة، وبالأمس وصلت قوات الاحتلال إلى مشارف مدينة النبطية، فماذا تنتظر لفعل كل شيء ينقذ الوطن أو ما تبقى منه؟
الآخرون يرفضون التفاوض فقط لأنهم غير مكلّفين به، وليس من باب الحرص أو زيادة في الوطنية.
النداء الأخير
فخامة الرئيس، لبنان وجنوبه أمانة بين يديك، ويرفعون الصوت ليصل إلى مسامعك، وكلهم أمل في أن تحمل الأمانة كما عوّدتنا بشرف وإخلاص وتضحية.
هذا ما عهدناه بك، فلا تُخلف الوعد ولا تردّنا خائبين.

