تتجه الأنظار إلى المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية في واشنطن وسط تصاعد الجدل حول مستقبل المناطق التي احتلتها إسرائيل خلال الحرب الأخيرة في جنوب لبنان. فبينما تتحدث واشنطن عن تثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ تفاهمات جنيف بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز معضلة أساسية تتعلق بمصير الأراضي اللبنانية التي لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر عليها، وبمدى استعداد إسرائيل للانسحاب منها فعلياً.
من قال إن إسرائيل ستنسحب؟
بدا لافتاً ما نُقل عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما تساءل: “من قال إن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي اللبنانية؟”. لكن هذا الكلام، على الرغم من أهميته السياسية، لا يحسم الجدل القائم حول طبيعة الانسحاب وحدوده وتوقيته.
فالمشكلة لا تكمن فقط في مبدأ الانسحاب، بل في الصياغات التي وردت في تفاهم جنيف بين واشنطن وطهران. إذ تشير المعلومات المتداولة إلى أن الاتفاق ينص على انسحاب إسرائيلي من أراضٍ لبنانية احتلتها إسرائيل خلال فترة هدنة الـ 60 يوما.
ويستعيد هذا الغموض إلى الأذهان الجدل التاريخي الذي رافق القرار الدولي 242 بعد حرب عام 1967، عندما دار خلاف طويل حول الفرق بين عبارة “الانسحاب من أراضٍ محتلة” و”الانسحاب من الأراضي المحتلة”، وما نتج عنه من تفسيرات متناقضة استمرت عقوداً.
المشروع التجريبي الإسرائيلي
يزداد هذا الالتباس مع ما كشفته القناة 12 الإسرائيلية عن توجه إسرائيلي لطرح مشروع “انسحاب تجريبي” من منطقة محددة في جنوب لبنان، مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها تحت إشراف أميركي.
وبحسب التسريبات الإسرائيلية، سيحمل الوفد الإسرائيلي إلى واشنطن خرائط تحدد المنطقة المقترحة، في إطار ما تسميه تل أبيب “إجراءات بناء الثقة”.
لكن هذا الطرح يثير تساؤلات عديدة. فإذا كانت إسرائيل تعترف بوجوب الانسحاب، فلماذا تحصره بمنطقة محددة؟ وإذا كان الاحتلال مؤقتاً كما تدعي، فما الحاجة إلى اختبار ميداني أو مشروع تجريبي؟
في الواقع، يوحي هذا الاقتراح بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحاول الانتقال من مبدأ الانسحاب الكامل إلى مبدأ الانسحاب التدريجي المشروط، بما يسمح لها بالاحتفاظ بأوراق ضغط ميدانية وسياسية خلال المفاوضات المقبلة.
بين واشنطن وطهران
يزداد المشهد تعقيداً مع دخول إيران بصورة مباشرة على خط متابعة تنفيذ التفاهمات.
فوزارة الخارجية الإيرانية تحدثت عن آلية تضم إيران وقطر وباكستان والولايات المتحدة ولبنان لمراقبة تنفيذ وقف الحرب على لبنان ومنع أي تصعيد جديد. كما شدد السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة على أن أي استهداف إسرائيلي للبنان أو لـ”حزب الله” سيُعد خرقاً للتفاهمات وسيستدعي رداً إيرانياً.
هذا الموقف يعكس واقعاً سياسياً جديداً يتمثل في أن الملف اللبناني أصبح جزءاً من التفاهم الأميركي – الإيراني الأشمل، وهو ما يثير مخاوف داخل لبنان من أن يتحول تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي إلى بند تفاوضي مرتبط بمسارات إقليمية أوسع، لا بمقتضيات السيادة اللبنانية وحدها.
إسرائيل لا تتحدث بلغة واحدة
في المقابل، لا تبدو إسرائيل موحدة الموقف.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه بعض الأوساط الإسرائيلية عن انسحاب جزئي أو تجريبي، يعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بوضوح أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان، بما في ذلك منطقة الشقيف، قبل تفكيك “حزب الله” بالكامل.
ويكشف هذا التناقض وجود صراع داخل المؤسسة الإسرائيلية بين من يرى ضرورة الاستجابة للضغوط الأميركية والدولية، وبين تيار آخر يعتبر أن أي انسحاب قبل إنهاء قدرات “حزب الله” العسكرية سيعيد إنتاج الظروف التي سبقت الحرب الأخيرة.
وبالتالي، فإن المفاوضات الجارية لا تدور فقط بين لبنان وإسرائيل، بل تشمل أيضاً نقاشاً إسرائيلياً داخلياً حول حدود التنازل الممكن وحجم المكاسب التي تريد تل أبيب الاحتفاظ بها بعد الحرب.
الميدان يناقض الدبلوماسية
في الوقت الذي يجلس فيه المفاوضون حول الطاولات في واشنطن، تستمر الوقائع الميدانية في إرسال رسائل مختلفة.
فالغارة الإسرائيلية التي استهدفت حفارة كانت تعمل على رفع الأنقاض في النبطية الفوقا، وإصابة عدد من المدنيين قرب جرافة كانت تفتح طريقاً في البلدة نفسها، إضافة إلى إعلان الجيش الإسرائيلي تنفيذ هجوم في منطقة كفرتبنيت لـ”إزالة تهديد”، كلها مؤشرات إلى أن الاحتلال لا يزال يتصرف وفق قواعد اشتباك يحددها بنفسه.
كما أن استمرار وجود القوات الإسرائيلية في بلدات زوطر الشرقية وكفرتبنيت وأرنون ويحمر، وفق المعطيات الأمنية المتداولة، يؤكد أن الحديث عن الانسحاب لا يزال حتى الآن في إطار التفاوض النظري أكثر منه واقعاً عملياً.
عقدة المرحلة المقبلة
المعضلة الأساسية اليوم لا تتعلق فقط بموعد الانسحاب الإسرائيلي، بل بتعريف هذا الانسحاب نفسه.
هل المقصود انسحاب كامل من جميع المناطق التي احتلتها إسرائيل خلال الحرب الأخيرة؟
أم انسحاب تدريجي ومشروط؟
أم إعادة انتشار داخل ما تسميه إسرائيل “منطقة أمنية” جديدة؟
وأي دور سيكون للجيش اللبناني؟ وهل ستكون السيادة اللبنانية كاملة أم خاضعة لآليات رقابة وإشراف دولية وإقليمية؟
هذه الأسئلة لم تجد إجابات واضحة بعد، وهو ما يجعل المفاوضات الحالية أشبه بمحاولة لترجمة تفاهمات سياسية عامة إلى وقائع ميدانية دقيقة.
جنوب لبنان بين اختبارين
يقف جنوب لبنان اليوم أمام اختبارين متوازيين: اختبار قدرة الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها الفعلية على الأراضي التي احتلتها إسرائيل، واختبار صدقية التفاهمات الأميركية – الإيرانية التي قيل إنها أوقفت الحرب.
أما المؤكد حتى الآن فهو أن الحديث عن الانسحاب لا يزال يراوح بين النصوص الغامضة والتصريحات المتناقضة والوقائع الميدانية المعاكسة. وبينما تتقدم المفاوضات في واشنطن، يبقى الجنوب اللبناني ينتظر الجواب الأهم: هل ستنسحب إسرائيل فعلاً، أم أن اللبنانيين أمام نسخة جديدة من نزاعات الحدود والاحتلالات المؤقتة التي كثيراً ما تحولت إلى وقائع دائمة؟

