في السياسة، لا تنتصر القوى التي تكتفي بردّ الفعل، بل تلك التي تمتلك القدرة على المبادرة وصناعة الوقائع. وهذه القاعدة تنطبق اليوم أكثر من أي وقت مضى على المعارضة الشيعية في لبنان، التي تجد نفسها أمام لحظة تاريخية نادرة: لحظة انتقال ملف الحرب والسلم من يد المشروع الإيراني إلى يد الدولة اللبنانية. إنها لحظة تأسيسية لا يجوز التعامل معها بخوف أو تردد أو حسابات صغيرة، لأن ما يجري يتجاوز مجرد تفاوض حدودي أو ترتيبات أمنية، بل يتعلق بإعادة تعريف من يملك القرار اللبناني.
للمرة الأولى منذ عقود، يبدو أن لبنان الرسمي استطاع انتزاع ورقة التفاوض من الإيراني. هذا التحول ليس تفصيلاً سياسياً عابراً، بل ضربة مباشرة لفلسفة حزب الله القائمة على احتكار قرار الحرب والسلم وربط لبنان بالمشروع الإقليمي الإيراني. فالحزب الذي بنى شرعيته على فكرة “حماية لبنان” وجد نفسه فجأة أمام دولة تحاول استعادة دورها الطبيعي، وأمام مسار تفاوضي يجري برعاية أميركية مباشرة، لا عبر طهران ولا عبر الحرس الثوري.
هنا تحديداً يبدأ الهلع الحقيقي داخل حزب الله.
فالحزب لا يخشى فقط نتائج التفاوض، بل يخشى ما هو أخطر: أن يكتشف اللبنانيون، والشيعة خصوصاً، أن الدولة قادرة على التفاوض من دون السلاح، وأن المؤسسات قادرة على إدارة الملفات الوطنية من دون الوصاية الإيرانية، وأن لبنان ليس مضطراً للبقاء رهينة “محور الممانعة” كي يحمي نفسه.
للمرة الأولى منذ عقود، يبدو أن لبنان الرسمي استطاع انتزاع ورقة التفاوض من الإيراني. هذا التحول ليس تفصيلاً سياسياً عابراً، بل ضربة مباشرة لفلسفة حزب الله القائمة على احتكار قرار الحرب والسلم وربط لبنان بالمشروع الإقليمي الإيراني
من هنا يمكن فهم التصعيد الخطابي الأخير الصادر عن قيادات الحزب، ولا سيما كلام محمود قماطي حين تحدث عن أن ما ظهر من مقاتلين ليس إلا 10%، وأن “الباقين سيحاسبون الداخل”. هذا الكلام ليس موجهاً إلى إسرائيل بقدر ما هو رسالة ترهيب داخلية. إنه إعلان واضح بأن الحزب يعتبر أي محاولة لبناء مشروع شيعي وطني خارج عباءته تهديداً وجودياً له.
عندما يتحدث حزب يملك ترسانة عسكرية ضخمة عن “محاسبة الداخل”، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد مع الخارج، بل مع اللبنانيين أنفسهم، ومع كل من يطالب بأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار. الأخطر أن هذا الخطاب يكشف انتقال الحزب من مرحلة “المقاومة” إلى مرحلة الدفاع عن النفوذ السياسي بالقوة المعنوية والأمنية، بعدما بدأت البيئة اللبنانية تتغير تدريجياً.
السنوات الماضية أسقطت عملياً معظم السرديات التي قام عليها المشروع المسلح. السلاح لم يمنع الانهيار الاقتصادي، ولم يحمِ الجنوب من الدمار، ولم يؤمّن الاستقرار، ولم يبنِ دولة، ولم يحمِ الشيعة من العزلة العربية والدولية. بل على العكس، تحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة للحروب والعقوبات والانهيارات، فيما هاجر عشرات آلاف الشباب الشيعي بحثاً عن حياة طبيعية خارج منطق التعبئة الدائمة.
اليوم، هناك جيل شيعي جديد بدأ يطرح أسئلة مختلفة: ماذا حقق هذا المشروع للبنان؟ ولماذا يجب أن يبقى الشيعة وقوداً لمعارك إيران الإقليمية؟ ولماذا يُمنع أي صوت شيعي معارض من التعبير الحر؟ ولماذا تصبح الدولة خيانة بينما يصبح الارتباط بالخارج “مقاومة”؟
هذه الأسئلة تقلق حزب الله أكثر من أي تهديد خارجي، لأنها تضرب احتكاره التاريخي للبيئة الشيعية. ولذلك نرى هذا القدر من العصبية والتخوين والتهديد. فالحزب يدرك أن أخطر ما يمكن أن يواجهه ليس القرار الدولي ولا الضغط الأميركي، بل ولادة معارضة شيعية وطنية تمتلك الجرأة على المبادرة لا الاكتفاء بردّ الفعل.
المطلوب اليوم من هذه المعارضة ليس فقط إصدار بيانات أو الرد على خطابات الحزب، بل الانتقال إلى مشروع سياسي متكامل يعيد تعريف الدور الشيعي داخل الدولة اللبنانية. المطلوب خطاب يقول بوضوح إن الدفاع عن الشيعة لا يكون بعزلهم عن العالم العربي والمجتمع الدولي، بل بإعادتهم إلى قلب الدولة والمؤسسات والاقتصاد والحياة الطبيعية.
كما أن المطلوب اليوم كسر المعادلة التي فرضها حزب الله لسنوات: إما نحن وإما الفوضى. هذه معادلة سقطت عملياً، لأن الفوضى وقعت أصلاً في ظل هيمنة الحزب على القرار الوطني. الانهيار المالي، العزلة السياسية، تدمير الجنوب، انهيار المؤسسات، كل ذلك حصل بينما كان الحزب الطرف الأقوى في لبنان. وبالتالي لم يعد ممكناً تسويق فكرة أن استمرار السلاح هو ضمانة للاستقرار.
الأهم أن المعارضة الشيعية مطالبة بعدم الوقوع في فخ الدفاع الدائم. عليها أن تبادر. أن تقدم رؤية للبنان ما بعد السلاح، وما بعد اقتصاد الحرب، وما بعد الارتهان الإقليمي. عليها أن تقول إن الشيعة ليسوا جماعة عسكرية بل مكوّناً مؤسساً في الدولة اللبنانية، وإن كرامتهم لا تُختصر ببندقية ولا بشعار أيديولوجي.
المطلوب اليوم من هذه المعارضة ليس فقط إصدار بيانات أو الرد على خطابات الحزب، بل الانتقال إلى مشروع سياسي متكامل يعيد تعريف الدور الشيعي داخل الدولة اللبنانية
وفي ملف التفاوض تحديداً، يجب أن يكون الموقف واضحاً: أي تفاوض تقوده الدولة اللبنانية هو انتصار لفكرة الدولة بحد ذاتها. أما إعادة الملف إلى الإيراني فتعني ببساطة إعادة لبنان إلى منصة تفاوض إقليمية تستخدمها طهران لتحسين شروطها في المنطقة. الفرق شاسع بين دولة تفاوض لحماية مصالحها الوطنية، وبين تنظيم مسلح يفاوض خدمة لاستراتيجية إقليمية أكبر من لبنان.
لهذا السبب يبدو حزب الله مرتبكاً. فهو يدرك أن نجاح الدولة اللبنانية في فرض نفسها شريكاً تفاوضياً سيعني تلقائياً تراجع الحاجة السياسية إلى السلاح. وعندما تتراجع الحاجة إلى السلاح، تبدأ الأسئلة الكبرى حول جدوى المشروع كله.
من هنا أيضاً تأتي محاولات إعادة شدّ العصب الداخلي عبر لغة القوة والتخويف. لكن التاريخ يثبت أن المجتمعات لا تُحكم بالخوف إلى الأبد. كل مشروع يقوم على احتكار الحقيقة والسلاح يصل في لحظة ما إلى أزمة مع الواقع، خصوصاً عندما يصبح عاجزاً عن تقديم حلول فعلية للناس.
المطلوب خطاب يقول بوضوح إن الدفاع عن الشيعة لا يكون بعزلهم عن العالم العربي والمجتمع الدولي، بل بإعادتهم إلى قلب الدولة والمؤسسات والاقتصاد والحياة الطبيعية
لبنان اليوم أمام مفترق حاسم. إما استعادة الدولة بكل ما تعنيه من سيادة ومؤسسات وقرار وطني مستقل، وإما العودة مجدداً إلى منطق الساحات والمحاور. وفي قلب هذه المعركة، سيكون للدور الشيعي الوطني أهمية استثنائية، لأنه وحده القادر على إسقاط ادعاء حزب الله بأنه يحتكر تمثيل الطائفة أو الدفاع عنها.
المعركة الحقيقية لم تعد بين لبنان وإسرائيل فقط، بل بين مشروعين داخل لبنان نفسه: مشروع يريد دولة طبيعية تشبه شعوب العالم، ومشروع يريد إبقاء لبنان ورقة تفاوض دائمة في يد الإيراني. وبين المشروعين، لا يكفي الصمت، ولا يكفي ردّ الفعل. المبادرة وحدها تصنع المستقبل.

