قبل أيام قليلة من الاجتماع الأمني اللبناني – الإسرائيلي المرتقب في البنتاغون في 29 الجاري برعاية أميركية، بدا لبنان وكأنه يقف مجددًا عند تقاطع بالغ الحساسية بين المسار الدبلوماسي ومسار النار المفتوحة جنوبًا. فبينما تنهمك الدولة اللبنانية في وضع اللمسات الأخيرة على الوفد العسكري وجدول الأعمال، تتصاعد في المقابل لغة الاعتراض الداخلي، خصوصًا من جانب «حزب الله»، الذي يرفض تحويل المفاوضات إلى منصة تفرض وقائع سياسية أو أمنية جديدة تحت ضغط الميدان الإسرائيلي.
التحضيرات الجارية بين قصر بعبدا وقيادة الجيش في اليرزة لا تبدو تقنية فقط، بل تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز شكل الوفد إلى طبيعة المرحلة المقبلة. فلبنان الرسمي يحاول تقديم نفسه كشريك قادر على إدارة ملف الحدود والأمن انطلاقًا من مرجعية الدولة والقرار الدولي، مستندًا إلى ما تعتبره السلطة “إنجازات ميدانية” للجيش في إطار تنفيذ قرارات الحكومة المتعلقة بحصر السلاح وضبط الوضع جنوب الليطاني.
غير أن هذا المسار يصطدم بعقبتين أساسيتين: الأولى استمرار التصعيد الإسرائيلي الواسع، والثانية الانقسام الداخلي حول طبيعة التفاوض وحدوده. فالغارات والقصف والاغتيالات التي تتواصل في الجنوب تجعل أي حديث عن تثبيت وقف إطلاق النار هشًّا ومهددًا بالانهيار في أي لحظة، فيما يعتبر «حزب الله» أن الذهاب إلى مفاوضات مباشرة تحت النار يمنح إسرائيل مكاسب سياسية مجانية.
عون يتمسك بالدولة… وباريس تحذر من “الوضع الخطير”
اللقاءات التي عقدها رئيس الجمهورية جوزيف عون مع السفير المصري علاء موسى والسفير القطري الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني عكست حجم الرهان العربي والدولي على إبقاء لبنان داخل مساحة الاستقرار النسبي ومنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة. الدعم القطري المتجدد للحكومة وإجراءات التهدئة ترافق مع اهتمام مصري واضح بمسار المفاوضات الجارية في واشنطن.
أما الموقف الفرنسي، فجاء أكثر صراحة وقلقًا. فالموفد الخاص للرئيس الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان قال في احاديث اذاعية “اليوم، لبنان في وضع خطير على صعيد وحدته وسلامة أراضيه”، مشيرا إلى انقسام “المكونات اللبنانية إزاء حزب الله وإزاء إسرائيل”. وأضاف أن “لبنان مهدد في سلامة أراضيه لأن جزءا من أراضيه تحتله إسرائيل، وجزءا آخر يتحرك وينشط فيه حزب الله، وهو يخدم المصالح الإيرانية، أي مصالح قوة أجنبية”. ورغم ذلك، رحّب باستمرار الهدنة، معتبرا أنها تفتح “أفقا لمدة 45 يوما سنواصل خلالها النقاش”. واعتبر أن القادة اللبنانيين في هذا المسار “على مستوى عال” و”شجعان”، في إشارة إلى طلبهم التفاوض مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية لإخراج بلدهم “من هذا الطوق والتوصل إلى مسار يعيد إلى الدولة اللبنانية وسائل العمل والوجود”.
هذا الموقف يعكس في جوهره مقاربة غربية جديدة تقوم على محاولة الفصل بين احتواء الحرب وبين الدفع التدريجي نحو إعادة صياغة التوازن الداخلي اللبناني. فالمطلوب دوليًا ليس فقط وقف النار، بل إنتاج واقع أمني جديد يحدّ من قدرة «حزب الله» على الإمساك بقرار الحرب والسلم.
«حزب الله»: لا تفاوض مباشر تحت النار
في المقابل، يرفع «حزب الله» سقف اعتراضه السياسي بالتوازي مع استمرار المواجهة العسكرية. فالحزب، عبر نوابه ومذكرته الموجهة إلى السفارات العربية والأجنبية، يحاول إعادة تثبيت معادلة مختلفة: الأولوية ليست للنقاش في السلاح أو الاستراتيجية الدفاعية، بل لوقف “العدوان الإسرائيلي” والانسحاب الكامل وإعادة الإعمار وإطلاق الأسرى.
ويبدو واضحًا أن الحزب يسعى إلى منع تحويل المفاوضات الجارية إلى نسخة لبنانية من ترتيبات إقليمية أوسع قد تشمل إعادة رسم النفوذ الإيراني في المنطقة. لذلك يصر على العودة إلى المفاوضات غير المباشرة، معتبرًا أن أي تفاوض مباشر يمنح إسرائيل اعترافًا سياسيًا ومعنويًا لا يريد الحزب ولا بيئته تحمله في هذه المرحلة.
لكن في المقابل، تتصاعد داخليًا أصوات تعتبر أن الأزمة الحالية هي نتيجة مباشرة لهيمنة السلاح الخارج عن الدولة. وقد عبّر عن هذا الاتجاه النائب فادي كرم الذي ربط أي انسحاب إسرائيلي كامل باستعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري.
الجنوب بين نار الميدان وضغط التسويات
ميدانيًا، لا توحي التطورات بأن المنطقة تقترب من تهدئة مستقرة. فالغارات الإسرائيلية المكثفة واستهداف الدراجات النارية والبلدات الجنوبية، يقابلها تصعيد من «حزب الله» عبر المسيّرات والصواريخ واستهداف المواقع العسكرية الإسرائيلية. وهذا يعني أن قواعد الاشتباك لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، خصوصًا مع اقتراب موعد الاجتماع الأمني في واشنطن.
وفي خلفية المشهد اللبناني، تتداخل أيضًا المفاوضات الأميركية – الإيرانية حول الملف النووي، حيث يشكل ملف اليورانيوم عالي التخصيب أحد أبرز نقاط الاشتباك بين واشنطن وطهران. ومن الواضح أن أي تقدم أو تعثر في هذا المسار سينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، التي باتت أكثر من أي وقت مضى جزءًا من شبكة التفاوض الإقليمي الكبرى.
لبنان اليوم لا يعيش فقط أزمة حدود أو هدنة هشة، بل أزمة هوية سياسية كاملة: هل يتجه نحو تثبيت منطق الدولة ومؤسساتها، أم يبقى ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح والمحاور؟ وبين البنتاغون والجنوب، تبدو الإجابة مؤجلة… لكنها تقترب بسرعة.

