اليسار اللبناني الذي حمل البندقية..أسقطته الهزائم والأسئلة

منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني

في الشرق الأوسط، لا تسقط الأفكار دفعةً واحدة، بل تتآكل ببطء تحت ضغط الحروب والهزائم والانقسامات، حتى تتحول إلى أنقاض تعيش فوقها أجيال جديدة لم تعد تؤمن بالأحلام القديمة. وهذا ما حدث إلى حدٍّ كبير مع اليسار العربي والعالمي. فالمنطقة التي كانت تضجّ بالأحزاب الشيوعية والقومية وحركات التحرر، تحولت تدريجياً إلى مساحة تتقدم فيها الطوائف والهويات الدينية والتنظيمات العقائدية المسلحة، بينما تراجع اليسار النخبوي إلى موقع المراقب العاجز أو المتناقض مع ذاته. وتجدر الإشارة إلى أن هذا اليسار لم يتمكن من اختراق البنية التقليدية وموروثاتها في مجتمعاتنا.

اليسار الصهيوني… اشتراكية تحمل السلاح

المفارقة أن جزءاً من اليسار العالمي نفسه لعب دوراً في تأييد فكرة الوطن القومي لليهود في بدايات القرن العشرين، انطلاقاً من رؤية اعتبرت الصهيونية مشروع تحرر قومي لشعب مضطهد في أوروبا. ومن هنا نشأ ما عُرف بـ”اليسار الصهيوني”، الذي جمع بين الاشتراكية وبناء الدولة والقوة العسكرية، فبنى الكيبوتسات والنقابات، لكنه بنى أيضاً الجيش والعقيدة الأمنية والحروب.

اليسار العربي بين الحلم والانهيار

أما ما اصطلح على تسميته، خطأً، باليسار العربي والفلسطيني، انطلاقاً مما يحمله هذا المصطلح من إرهاصات وتحولات فكرية في العالم الذي أنتجه، فقد حمل مشروع الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية والتحرر من الاستعمار، لكنه اصطدم بالهزائم العسكرية والاستبداد والفساد وانهيار الدولة العربية الحديثة.

وجاءت هزيمة عام 1967 لتشكل لحظة انهيار نفسي وفكري كبيرة، فقدت بعدها الجماهير ثقتها بالمشاريع القومية واليسارية التي وعدت بالتحرير والنهضة، وانتهت إلى القمع والهزيمة. ومن داخل هذا الفراغ، صعدت الحركات الإسلامية والتنظيمات العقائدية المسلحة.

من انهيار الدولة إلى صعود الحركات العقائدية

فحين تفشل الأيديولوجيات الأرضية في تحقيق العدالة أو الكرامة أو النصر، يعود المجتمع غالباً إلى الدين بوصفه هويةً وحمايةً ومعنى.

هكذا، لم يظهر Hezbollah في لبنان، ولا Hamas في فلسطين، ولا الحوثيون في اليمن، وحتى تنظيم “الدولة الإسلامية” والجماعات الإسلامية والدينية الأخرى في سوريا والعراق وغيرها… من فراغ، بل خرجت هذه القوى من رحم انهيار المشروع القومي واليساري، ومن تفكك الدولة العربية وفشلها التنموي والسياسي.

حين أعادت الحركات الجديدة إنتاج أزمات الماضي

لكن المفارقة أن كثيراً من هذه الحركات أعاد إنتاج ما كان اليسار نفسه ينتقده: العقائدية المغلقة، عسكرة المجتمع، وتقديم “القضية الكبرى” على الدولة والإنسان والحريات.

واليوم، تبدو المجتمعات العربية وكأنها تقف على مفترق خطير: إما الاستمرار في دوامة الطوائف والهويات المغلقة والحروب المفتوحة، وإما القدرة على إنتاج نموذج جديد للدولة المدنية الحديثة، القادرة على التوفيق بين الهوية والديمقراطية والتنمية.

الشرق الأوسط فوق أنقاض الأحلام

فالشرق الأوسط يعيش اليوم فوق أنقاض قرن كامل من الأحلام المكسورة: حلم القومية، حلم الاشتراكية، حلم التحرير، وحتى حلم الدولة الحديثة نفسها.

ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي: كيف خسر اليسار الشرق الأوسط؟ بل: هل تستطيع المجتمعات العربية إنتاج فكرة جديدة للمستقبل، قبل أن يتحول الانهيار إلى قدرٍ دائم؟

ذلك أن الأمم لا تموت حين تُهزم عسكرياً فقط، بل تموت أيضاً حين تفقد قدرتها على إنتاج “فكرةٍ للمستقبل”.

السابق
«إخلوا فورًا»… إسعاف النبطية يعلّق عملياته بعد إنذار أمني خطير!
التالي
ماذا ينقص العرب ليكونوا قوة إقليمية مقتدرة؟