الشيعة والتعبئة الدائمة: قراءة في نهج أهل البيت وحقيقة الصراع

إن من أشدّ ما ابتُليت به بيئة المجتمع الشيعي في هذا العصر أن كثيرًا من الناس باتوا يخلطون بين الحكمة والضعف، وبين التعقّل والتراجع، حتى صار مجرد السؤال عن مصلحة الناس ومستقبل أولادهم يُنظر إليه أحيانًا كأنه خيانة لخط أهل البيت عليهم السلام.

وهذا ــ في الحقيقة ــ من أعظم المظالم التي أُنزِلت بمدرسة أهل البيت نفسها.

لأن المتأمل في سيرة الأئمة عليهم السلام لا يرى أناسًا مأخوذين بانفعال اللحظة، بل يرى عقولًا إلهية تدير الصراع بأعلى درجات الحكمة، وتزن الدماء بميزان دقيق، وتفكر دائمًا في بقاء الجماعة المؤمنة قبل أي شيء آخر.

المشكلة اليوم ليست في الاعتراف بعداوة إسرائيل، فهذا أمر لا يحتاج إلى مزايدة، وإنما المشكلة في الطريقة التي جرى بها تحويل هذه العداوة إلى حالة تعبئة دائمة، حتى بدا وكأن المجتمع الشيعي خُلق ليعيش بين الحرب والنزوح والخراب.

وهنا ينبغي أن يتوقف الإنسان قليلًا ويسأل نفسه بهدوء:

هل المطلوب من الشيعي أن يبقى مشروع مقاتل إلى الأبد؟

أم أن المطلوب، كما أراد الأئمة عليهم السلام، أن يكون إنسانًا يبني ويحفظ دينه وأهله وكرامته ووجوده؟

لقد عاش الشيعة قرونًا طويلة تحت سيوف الأمويين والعباسيين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين، وتعرضوا لمجازر وفتن تفوق في قسوتها ما يعيشه كثير من الناس اليوم، ومع ذلك لم يتحول أئمتهم إلى دعاة حرب دائمة، بل إلى بناة وعي وصبر وحكمة.

المشكلة اليوم ليست في الاعتراف بعداوة إسرائيل، فهذا أمر لا يحتاج إلى مزايدة، وإنما المشكلة في الطريقة التي جرى بها تحويل هذه العداوة إلى حالة تعبئة دائمة، حتى بدا وكأن المجتمع الشيعي خُلق ليعيش بين الحرب والنزوح والخراب.

كربلاء بين الحقيقة والخطاب التعبوي

تأملوا شيئًا من سيرة الإمام الحسين بن علي، الذي جرى ــ مع الأسف ــ اختزال نهضته في بعض الخطابات المعاصرة إلى مجرد صورة رجل خرج يبحث عن الموت رافضًا للظلم، وأننا بتأسينا بالحسين نرفض ظلم إسرائيل، فعلينا أن نكون حسينيين ونستشهد جميعًا!! وهذا تزوير للحقيقة، وتسطيح للعقول، وكذب على أهل البيت بخطاب تعبوي يخدم مآرب سياسية.

والحقيقة أن الحسين عليه السلام أمضى سنوات طويلة بعد شهادة أخيه الإمام الحسن بن علي في الصبر وضبط النفس، رغم كل ما جرى من ظلم وإهانة، حتى إن جنازة أخيه رُميت بالسهام أمام عينيه.

ومع ذلك لم يشعل حربًا، لأنه كان يرى ما هو أبعد من جرح اللحظة.

لقد خرج الحسين عليه السلام من مكة كي لا تُهتك حرمة بيت الله الحرام، وحين بلغه خذلان أهل الكوفة وشهادة مسلم بن عقيل، اختار أرض كربلاء البعيدة عن سطوة والي الكوفة كي يتفادى الالتحام العسكري.

وحتى في كربلاء، بعدما حُوصِر ومُنع عنه الماء، لم يبدأ القتال، بل ظلّ حتى اللحظات الأخيرة يحاول دفع المعركة، ويخاطب القوم، ويعرض عليهم أن يتركوه يرحل بعيدًا عن مركز السلطة، لكنهم رفضوا وخيروه بين بيعة يزيد علناً أو القتل، ولما رفض، بادروا بالهجوم عليه وعلى اهله واصحابه وقتلوهم.

أي إن الحسين عليه السلام لم يكن ذاهبًا إلى الحرب بوصفها غاية، بل دُفع إليها دفعًا بعدما أُغلقت أمامه كل سبل النجاة.

وهنا الفرق الهائل بين كربلاء الحقيقية وكربلاء التي صاغها الخطاب التعبوي الحديث.

فالحسين عليه السلام لم يحوّل أصحابه إلى وقود حرب عبثية، ولم يدفعهم دفعة واحدة إلى الموت، بل كان كل واحد منهم يستأذنه، ويقيم الحجة على القوم، ثم يقاتل دفاعًا عن نفسه بعدما فُرض عليه القتال.

حتى في آخر لحظاته، لم يكن خطابه خطاب رجل مأخوذ بنشوة الدم، بل خطاب أب مكلوم يحمل طفله الرضيع ويطلب له جرعة ماء.

هذه ليست ثقافة عشق الموت.

أئمة أهل البيت: بناء الإنسان قبل السيف

إن المتأمل في سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام يدرك بوضوح أن نهجهم العام لم يكن قائمًا على العسكرة الدائمة، بل على حفظ الدين والإنسان معًا.

فالإمام الحسن عليه السلام، رغم أحقيته وشرعيته، صالح معاوية حين رأى تفرق الناس وخذلان القواعد، وقال كلمته العميقة:

«ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل».

لأنه فهم أن الحرب إذا فقدت شروطها تحولت إلى استنزاف للشيعة، لا إلى نصر لهم.

ثم جاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين بعد كربلاء، فلم يدفع الشيعة إلى ثأر انتحاري جديد، رغم فداحة المأساة، بل انصرف إلى إعادة بناء المؤمن المسلم بالدعاء والعلم والتربية، لأنه كان يعلم أن الجماعة المكسورة تحتاج إلى ترميم النفوس لا إلى مزيد من الدماء.

وكذلك الإمام جعفر الصادق، في زمن سقوط الأمويين وصعود العباسيين، لم يحوّل الشيعة إلى وقود لصراع السلطة، بل أسس مدرسة العلم والفقه والمعرفة، لأنه رأى أن بناء العقل أبقى من سلطة تُنال بالسيف ثم تضيع بالدم.

أما الإمام علي بن موسى الرضا، فقد جسّد أعلى درجات الحكمة السياسية حين تعامل مع واقع المأمون بمنطق حفظ الخط الإيماني وحقن الدماء، لا بمنطق الانفعال.

ولذلك كانت التقية عنده وعند آبائه عليهم السلام نهجًا عامًا لحفظ المؤمنين، لا حالة خوف عابرة.

ولهذا ورد عنهم عليهم السلام:

«التقية ديني ودين آبائي، من لا تقية له لا دين له».

الحسين عليه السلام لم يحوّل أصحابه إلى وقود حرب عبثية، ولم يدفعهم دفعة واحدة إلى الموت، بل كان كل واحد منهم يستأذنه، ويقيم الحجة على القوم، ثم يقاتل دفاعًا عن نفسه بعدما فُرض عليه القتال.

من التقية إلى «الثورة المستمرة»

والمفارقة هنا أن روح الله الخميني ضرب بهذا النهج عرض الجدار، بمقولته الشهيرة عقب نجاح الثورة وقبل بناء الدولة:

«لا تقية بعد اليوم».

واتخذ من الثورة المستمرة نهجًا عامًا، ونصّب نفسه وليًا فقيهًا مطلقًا على الناس، فلبس عباءة الإمام المعصوم، وأقصى كل من يخالفه من العلماء ــ حتى بالرأي الفقهي ــ إما بالسجن أو الإقامة الجبرية أو هتك العرض أو التخوين أو غير ذلك.

وبلغ به الحال أن قال إن حفظ دولته الإسلامية أولى من الحفاظ على حياة شخص واحد، ولو كان هذا الشخص هو الإمام الحجة بن الحسن.

وبناءً على مقولته، لا مانع عنده من هلاك شيعة لبنان في حروب بالنيابة في سبيل الحفاظ على دولته، وعلى هذا فقس ما سواه واستنتج، أخي الكريم.

إن مدرسة أهل البيت لم تكن يومًا مدرسة موت مجاني، بل مدرسة بقاء حكيم، تحفظ العقيدة والإنسان حتى يأذن الله بالفرج.

هذه مدرسة حفظ الحق حين تُغلق كل أبواب الحياة.

بين الدولة والحرب الدائمة

أما تحويل المجتمع الشيعي إلى حالة تعبئة دائمة، وإلى شعور نفسي مستمر بأن السلام خيانة وأن الهدنة ضعف، فهو أمر مختلف تمامًا عن منطق أهل البيت عليهم السلام.

كان يمكن، بعد تحرير الجنوب سنة 2000، الانتقال إلى مرحلة أخرى، مرحلة تحفظ الردع وتحفظ الناس معًا.

كان يمكن بناء دولة قوية، واقتصاد متين، وبيئة شيعية مزدهرة علميًا وثقافيًا وماليًا، بدل أن يبقى المجتمع كله معلقًا على حافة الحرب.

لكن الخطاب الثوري، بطبيعته، يحتاج دائمًا إلى عدو حاضر، وإلى توتر دائم، لأن استمرار التعبئة جزء من بقائه النفسي والسياسي.

وفي المقابل، كانت إسرائيل تستفيد من هذا المشهد أكثر مما يظن كثيرون، فوجود خصم عقائدي دائم على حدودها هدفه إزالتها من الوجود منحها ذريعة لا تنتهي للتسلح، وللحصول على الدعم الغربي، ولتقديم نفسها كدولة محاصرة بالتهديدات.

أما لبنان… فبقي يدفع الثمن.

انهار اقتصاده، وهاجر شبابه، وكبرت أجيال كاملة وهي لا تعرف من الحياة إلا القلق والترقب والخوف من الحرب المقبلة.

تحويل المجتمع الشيعي إلى حالة تعبئة دائمة، وإلى شعور نفسي مستمر بأن السلام خيانة وأن الهدنة ضعف، فهو أمر مختلف تمامًا عن منطق أهل البيت عليهم السلام.

السؤال الحقيقي: كيف نحفظ الوجود؟

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه الشيعي الموالي على نفسه اليوم ليس:

«هل نقبل بإسرائيل؟»

بل: «كيف نحفظ أنفسنا وكرامتنا ووجودنا من دون أن نتحول إلى وقود دائم في صراع دولي أكبر منا؟»

وهذا بالضبط ما نهجه أئمتنا عليهم السلام بعمق الحكمة.

فالتقية عندهم لم تكن خوفًا، بل كانت فقه نجاة.

والصبر لم يكن استسلامًا، بل إدارة طويلة للنفس والتاريخ.

وحفظ المؤمن كان عندهم أعظم من كثير من الحماسات العابرة.

ولهذا بقي التشيع حيًا عبر القرون… لا لأنه كان الأكثر اندفاعًا نحو الحرب، بل لأنه كان الأعمق فهمًا لمعنى البقاء.

السابق
ترامب يصل إلى الصين ويخيّر إيران: اتفاق أو الدمار!
التالي
إنهيار صناعي وقفزة قياسية في الأسعار.. شبح الانتفاضة الشعبية يؤرق طهران مع تجاوز التضخم الـ 50%