هل ستزولُ إسرائيلُ مِنَ الوجودِ؟!

اليهود

قبل أن نسألَ: هل ستزولُ إسرائيلُ من الوجودِ، يجبُ علينا أن نُفكِّرَ مَلِيًّا ونسألَ: هل من الممكن أن تزولَ إسرائيلُ مِنَ الوجودِ، وما هي الفائدةُ المرجوَّةُ من زوالِها مِنَ الوجودِ؟!

سؤال معكوس: ماذا عن واقعنا؟

لماذا لا نسألُ القيّمينَ على الشؤونِ العامّةِ في بلادِنا من ساسةٍ ووسائلَ إعلامٍ وكُتّابٍ وصحافيّين وناشطين في الحقل العام السؤالَ نفسه ولكن بالعكس: هل ستزولُ تلك الدولُ الديكتاتوريّةُ العربيّةُ والإسلاميّةُ من الوجودِ، تلك الدولُ التي قامت ونشأت في ظلّ الغزو العربي باسم الإسلام؟!

وهل ستزولُ تلك الأحزابُ والجماعاتُ الدينيّةُ الطائفيّةُ والمذهبيّةُ من الوجودِ؟

الشرعية والقوة: بين الدين والدولة

تلك الدولُ استمدّت قوّتَها وجبروتَها وشرعيّتَها من فتاوى رجالِ الدين، وعّاظِ السلاطين، لا من صناديق الاقتراع ولا من القوانين والدساتير واستطلاعات الرأي.

ولقد صدقَ المثلُ اللبنانيُّ القائلُ: (جحا مِشْ قوي إلّا على خالتُو)، فقد عملت هذه الدولُ على قهرِ وإذلالِ شعوبِها والبطشِ بها على مدى عقودٍ من الزمن باسم تحرير فلسطين وإزالة إسرائيل من الوجود، فلم تجنِ تلك الشعوب سوى الموت لأبنائها وأحبابها، ولم تحصد سوى الخيبات والذلّ والمهانة.

نزار قباني: نقد الواقع العربي

وإلى هذا يُشيرُ الشاعرُ الراحل نزار قباني بقولِهِ:

(إيّاكَ أن تقرأَ حرفًا

من كتابات العرب،

فحربهم إشاعة،

وسيفهم خشب،

وعشقهم خيانة،

ووعدهم كذب).

وقال في إحدى قصائده التي تعبّر عن امتعاضه الشديد من الحكّام العرب:

الشاعرُ يتمنّى أن يكون عصفورًا،

أمّا العصفورُ فيرفضُ أن يكون شاعرًا،

حتى لا تصطاده الأنظمة العربية.

قمع الفكر: نماذج دامغة

وكذلك فعلت تلك الجماعاتُ والأحزابُ الدينيّةُ الجاهلةُ والمتخلّفةُ بشعوبها، باسم الدين، حيث عملت على قمع واغتيال أصحاب الرأي والفكر الحرّ، المختلف معها جذريًا، تحت عنوان التكفير والردّة. ولنا في المفكّر المصري فرج فودة خير دليل على إرهاب وظلم وجهل وغباء تلك الجماعات.

مَن منّا لا يعرفُ محمود محمد طه، الذي أعدمه الرئيس السوداني جعفر النميري بطلبٍ من جماعة الإخوان المسلمين؟ المفكّر محمود محمد طه الذي قال رأيه في الإسلام: إنّ إسلام مكة المكرمة هو الدين الخالد، أما إسلام المدينة المنورة فهو تجربة سياسية وليس دينًا.

فكانت النتيجة أن أُعدم تحت عنوان الردّة، وكذلك قُتل واغتيل العديد من الكتّاب والمفكّرين، على رأسهم فرج فودة، الذي حذّرنا في تسعينيات القرن الماضي من خطورة تلك الجماعات الدينية.

الدولة الدينية: نقد وتحذير

فرج فودة، الذي انتقد بشدّة تلك الجماعات المتطرّفة في كتابه (الإرهاب)، اعتبر أن عنفها ليس ردّ فعل على القمع، بل هو نابع من أيديولوجيتها الأصلية، مطالبًا بعرض واقع الحياة السياسية في الدول التي تطبّق ما تدّعي أنه “النظام الإسلامي” على الرأي العام لتحذير الناس من أخطار الدولة الدينية على مجتمعاتهم.

وقال: هم يصوّرون للشباب أن الدولة الدينية فردوس الله على الأرض. وفي المقابل لماذا لا تُعرض ملفات الحكم الإيراني والإعدامات دون إجراءات، والتعذيب دون ضمانات على الرأي العام؟!

الدعوة إلى الحوار بدل الصراع

يجب على كل إنسان عاقل أن يسأل: لماذا لا يتم العمل على بناء صروح علمية للحوار بين المفكّرين والمثقّفين العرب واليهود، لتحطيم وكسر الحواجز النفسية التي وضعتها الدول العربية والإسلامية والجماعات الدينية المتخلّفة بين العرب واليهود؟

فاللقاء والجلوس على طاولة حوار واحدة والتواصل فيما بينهم يساعد في كسر تلك الحواجز النفسية، ويطمئن القلوب، ويحرّك العقل، ويفتح آفاق المعرفة، بدل الخوض في صراعات جهنمية باسم الدين.

الخطاب الديني: بين النص والتوظيف

ولقد أشار القرآن إلى ذلك بقولِهِ: [ادْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن].

فالمؤمن، كما ورد في الأحاديث: (لا يُلدغ من جحر مرتين)، ولكنهم لُدغوا من جحر ألف مرة ومرة، وفي كل مرة وعند كل هزيمة تتطاول أعناقهم وتصدح حناجرهم بانتصارات إلهية مزعومة.

إسرائيل والتفوّق: قراءة واقعية

وفي هذا السياق، لا بدّ من التطرّق إلى مسألة التفوّق العسكري والاستراتيجي، حيث تقوم إسرائيل على منظومة علمية وتكنولوجية متقدمة، تستثمر في البحث العلمي والذكاء الاصطناعي والقوة الدفاعية.

هم يضخّون المليارات لصناعة العقول قبل السلاح، فيما تغرق مجتمعاتنا في الجهل والخرافة، ويُهدر المال العام على مظاهر السلطة والترف.

التغيير يبدأ من الداخل

وفي الختام، أقول: شتّان ما بين من يؤمن بأن الله يساعد من يساعد نفسه، ومن يؤمن بأن النصر من عند الله وكفى.

فيا أيها العرب والمسلمون، الغارقون في أوهام الماضي: كأنّي بكم لم تقرأوا قول القرآن: [لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم]، ولم تقرأوا: [أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها].

السابق
تصعيد إسرائيلي في جنوب لبنان: غارات متلاحقة واستهدافات في صور والزهراني
التالي
لبنان يريد السلام بلا «تطبيع»…وواشنطن تُسرّع تفاهمها مع طهران