في زمنٍ تتكاثر فيه الانقسامات وتشتد فيه الخصومات السياسية والفكرية، يخرج بعض الأفراد بخطابٍ قائم على الشتم والسباب والتطاول على المقامات والرموز، ظنًا منهم أن الإساءة تعبيرٌ عن موقف، وأن التجريح وسيلةٌ لإثبات الرأي. والحقيقة أن هذا السلوك لا يمتّ إلى أخلاق أهل البيت بصلة، ولا يعكس نهج الإمام علي بن أبي طالب الذي كان مدرسةً في الأدب والحكمة وضبط النفس.
لقد كان الإمام علي، رغم ما واجهه من خصوماتٍ سياسية وعسكرية، يرفض الانحدار إلى مستوى الشتيمة والإهانة. وقد ورد عنه قوله المشهور: “إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكن لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر.” وهي وصية تختصر منهجًا كاملًا في الاختلاف؛ نقدٌ موضوعي، وحجةٌ واضحة، بعيدًا عن التجريح الشخصي والإسفاف اللفظي.
وفي موضعٍ آخر، شدّد الإمام علي على قيمة الكلمة وأثرها حين قال: “اللسان سبعٌ إن خلي عنه عقر.” في إشارةٍ إلى أن ترك اللسان بلا ضابطٍ أخلاقي قد يحوّله إلى أداة أذى وفتنة، لا إلى وسيلة حوارٍ وإصلاح.
إقرأ أيضا: المقاومة بالدبلوماسية: عندما تصبح «المكابرة العسكرية» عبئًا على الوطن
إن من يسيء إلى المقامات والرموز بالشتم، مهما كان انتماؤه أو دوافعه، لا يسيء فقط إلى الآخرين، بل يسيء إلى البيئة الفكرية والأخلاقية التي يدّعي الانتساب إليها. فمدرسة الإمام علي لم تُبنَ على الشتائم، بل على الحجة والعدل والحكمة، وقد قال أيضًا: “قيمة كل امرئ ما يحسنه.” فلا قيمة لخطابٍ لا يحمل إلا الإهانة، ولا وزن لرأيٍ لا يستند إلى منطقٍ وأدب.
اليوم، نحن أحوج ما نكون إلى استحضار هذا النهج العلوي الراقي، خصوصًا في ظل الاحتقان الذي يعيشه مجتمعنا. فالتعبير عن الموقف حق، والاختلاف حق، والنقد حق، لكن كل ذلك يفقد مشروعيته حين يتحول إلى سبابٍ وشتائم تطعن في الكرامات وتزرع الأحقاد.
إن احترام المقامات والاختلاف بأدب ليس ضعفًا، بل هو قوة أخلاقية تعكس وعيًا حضاريًا، وتؤكد أن الكلمة المسؤولة هي أساس أي مجتمع يسعى للنهوض، تمامًا كما أرادها الإمام علي: كلمة حق، تُقال بحكمة، وتُحفظ بكرامة.

