لبنان – إيران: مسار واحد في بلدين؟

ياسين شبلي

كالعادة يختلف اللبنانيون على جِلد الدب قبل اصطياده، هذه المرة في موضوع المفاوضات مع إسرائيل التي تهدف إلى “إزالة آثار العدوان” الإسرائيلي على لبنان. فرئيس الجمهورية جوزيف عون طرح مبادرة التفاوض المباشر في محاولة منه للجم هذا العدوان الأخير، الناجم عن تحرّك حزب الله الميداني كالعادة بحسب التوقيت الإيراني، والذي عمّق أكثر فأكثر الأزمات اللبنانية المتراكمة منذ سنوات نتيجة سوء إدارة الحكم، الذي كان قائمًا على صيغة المقايضة ما بين المحاصصة السياسية والإدارية مقابل السكوت على تفرد حزب الله بموضوع السلاح بذريعة أن هذا السلاح له وظيفة إقليمية – هكذا بكل وقاحة -، وليس آخر هذه الأزمات النكبة التي نجمت عما سُمّي حرب “إسناد غزة” المستمرة حتى اليوم.

المفاوضات المباشرة مقابل غير المباشرة

مقابل طرح الرئيس جوزيف عون بالتفاوض المباشر، الذي يحظى بدعم واسع من الأطياف السياسية اللبنانية، برز كالعادة طرح “الثنائي الشيعي” وحلفائه – على قلتهم هذه الأيام – الذي يتبنى المفاوضات ولكن بشكل غير مباشر، كما سبق وحصل إبان مفاوضات الترسيم البحري، من دون النظر إلى اختلاف الظروف السياسية الإقليمية التي تبدّلت كليًا نتيجة عملية “طوفان الأقصى”، كما الظروف الميدانية الضاغطة على لبنان بطبيعة الحال.

اتفاق ضمني وهجوم سياسي

هكذا يختلف اللبنانيون على الوسيلة مع أن الجميع متفق على الأهداف، فما يطالب به الرئيس جوزيف عون ومعه رئيس الحكومة نواف سلام كأركان للدولة، لا يختلف عما يطالب به أركان الثنائي، سواءً الرئيس نبيه بري أو الشيخ نعيم قاسم، من حيث وقف إطلاق نار دائم، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم حتى المدمّر منها، وإطلاق سراح الأسرى، وإعادة الإعمار. ومع ذلك، يتعرض أركان الدولة للهجوم الذي يتجاوز الرأي السياسي إلى التهجّم الشخصي من أنصار أركان الثنائي بطريقة غير أخلاقية ومعيبة.

دولة تفاوض ولا تحكم

المثير في الأمر أن الدولة، ممثلة برئيس الجمهورية والحكومة، هي في هذا الموضوع “تملك ولا تحكم”، بمعنى أنها تفاوض على شيء لا يمكنها التحكم به، كوقف إطلاق النار والالتزام بمخرجاته. في حين أن “الثنائي الشيعي” سياسيًا، وحزب الله ميدانيًا، لا يملكون إلا الموافقة على الهدنة، بالرغم من رفضهم لطريقة وسبب إعلانها، وهي هنا المفاوضات، في مفارقة لبنانية ليست غريبة على أية حال، على بلد هو أشبه بجمهورية “كرتون” ورسوم متحركة كما أثبتت أحداث الأيام الماضية.

عقدة الدور والمرجعية الإيرانية

الواقع، كما يبدو جليًا، أن ما يفسّر الفارق بين موقف ثنائي أركان الدولة وموقف “ثنائي الدويلة” الشيعي، ليس المفاوضات بحد ذاتها ولا حتى شكلها، إنما العقدة تكمن في من هو “الأحق” من وجهة نظر الثنائي الشيعي بالقيام بهذا الدور، وهذا يرتبط بطبيعة الحال بالموقف من إيران والتطورات في المنطقة.

الحكومة، هي في هذا الموضوع “تملك ولا تحكم”، بمعنى أنها تفاوض على شيء لا يمكنها التحكم به، كوقف إطلاق النار والالتزام بمخرجاته.

فكما هو معروف، فإن حزب الله – نيابة عن الثنائي – يلتزم بمواقفه بما يصدر عن مرجعيته الدينية – السياسية – العسكرية، التي باتت في زمن الحرب تُختزل بقيادة الحرس الثوري الإيراني بقيادة أحمد وحيدي، الذي تشير الأنباء الواردة من طهران بشكل شبه مؤكد بأنه بات رجل النظام القوي، متجاوزًا بذلك رجال النظام – أو ما تبقى منهم – من السياسيين والمسؤولين الرسميين، أمثال الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، الذي تفيد المعلومات باستقالته من رئاسة الوفد التفاوضي وترك المهمة لوزير الخارجية عباس عراقجي، الذي لا يملك سلطة القرار، بل بات دوره يقتصر على نقل الرسائل بين طهران وإسلام آباد.

تشابه النموذج: لبنان على خطى إيران

هذا الواقع هو ما كان ينطبق أيضًا، بهمة وسعي الثنائي الشيعي طيلة السنوات الماضية، بمساعدة الطبقة السياسية الفاسدة على لبنان، ويستميت هذا الثنائي اليوم لاستمراره. ففي لبنان كما في إيران، هناك طرفا سلطة: طرف يملك ولا يحكم، وهو الطرف الرسمي الذي تمثّله الدولة، وآخر يحكم، وهو في إيران الطرف “الثوري” الذي تمثّله القوى العسكرية والأمنية من جيش وحرس ثوري وباسيج، يوازيه في لبنان الوكيل الحصري للحرس الثوري، حزب الله.

من هنا يأتي التناقض في الموقف بين الدولة، الممثلة بالرئيس جوزيف عون والحكومة التي اتخذت قرارات جريئة – ولو رمزية ومعنوية – لمحاولة فك الارتباط ما بين مساري الأزمة في كل من إيران ولبنان، وبين الدويلة ممثلة بحزب الله، الذي يريد الاستمرار بوحدة المسار مع إيران في المفاوضات كما في الحرب، وبنفس طريقة التهميش للدولة كما حدث في إيران.

حزب الله – نيابة عن الثنائي – يلتزم بمواقفه بما يصدر عن مرجعيته الدينية – السياسية – العسكرية، التي باتت في زمن الحرب تُختزل بقيادة الحرس الثوري الإيراني

رهانات بري والدور الممكن

ليكون بذلك الشيخ نعيم قاسم هو أحمد وحيدي لبنان، ويصبح بذلك جوزيف عون كبزشكيان في إيران، ونبيه بري كقاليباف “رِجل في البور ورجل في الفلاحة” كما يقول المثل، وهو الموقف الذي يدفع ثمنه لبنان وشيعته من مستقبلهم واستقرارهم إذا ما استمر على هذا المنوال من التردد.

مع أن المصلحة الوطنية تقتضي أن يُوظّف الرئيس بري علاقاته الإيرانية – إذا كان له فعلاً من علاقات ندّية – لمحاولة الوصول إلى حل يُجنّب لبنان والجنوب وشعبه ذل الاحتلال والتهجير، وبذلك يكون عضدًا للدولة في المفاوضات يُمكّنها من بعض أوراق القوة، ما يحول دون استفراد العدو وراعيه الأميركي بالدولة ورئيسها في مواجهة رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، خاصة وأن هكذا جهد، إذا ما نجح، لا شك أنه سيترافق مع دعم عربي عماده السعودية ومصر، وبذلك تكون إيران قد قدمت خدمة للبنان تعوّض بها – ربما – بعض الشيء عما قدّمه لبنان عبر حزب الله من تضحيات في سبيل مصلحتها الإقليمية طيلة السنوات الماضية.

القرار الإيراني: العامل الحاسم

قد يقول قائل إننا نحلم، وأن ما نطلبه هو من رابع المستحيلات، لأن المصلحة الإيرانية كانت وستبقى تمر بورقة حزب الله ولبنان، وخروج هذه الورقة من يدها يضعها وحلفاءها في موقف أضعف أمام خصومهما. قد يكون هذا صحيحًا، لكن التعويل هنا هو على موقف الرئيس نبيه بري، الذي يعرف من خلال تجربته الطويلة في الحكم أن الحل السيئ قد يكون أفضل بكثير من الحرب “الجيدة” – إذا كان من حرب جيدة -، خاصة في ظروف حرجة ووجودية كظروف لبنان اليوم.

فهل يُقدم الرئيس بري أم يُحجم؟ والسؤال الأهم: هل تستجيب إيران؟ الجواب، باعتقادي وبحكم التجربة، لا يعتمد على الرغبة الإيرانية بقدر ما يعتمد على تطورات الأزمة مع أميركا وحلولها، سواء سلمًا أو حربًا.

السابق
الجميّل من بكركي: حملة «الحزب» على رموز الدولة والطوائف في لبنان هي حملة إيرانية
التالي
طقس متقلب غدًا… أمطار خفيفة صباحًا وارتفاع تدريجي بالحرارة