اعتبر عضو اللقاء التنموي في العرقوب وحاصبيّا ورئيس جمعيّة تمدّن الدكتور زياد ضاهر أنّ منطقة حاصبيا والعرقوب قدّمت نموذجاً استثنائياً خلال الأزمة التي يمرّ بها البلد، وفي ظل الحرب الشرسة التي يشنّها العدو الإسرائيلي. فقد بقي الأهالي صامدين في بيوتهم وأرضهم، وبذلك قطعوا الطريق على المخطط الإسرائيلي الرامي لتحويل هذه الأرض إلى “أرض بلا شعب”، وهو المخطط الذي يُنفّذ في سائر المناطق الجنوبية المحاذية عبر جرف وتدمير الحواضر البشرية والقرى بكل ما تحمله من تاريخ.
وأشار ضاهر في حديث لـ” جنوبيّة” إلى أنّ أبناء المنطقة استطاعوا تقديم نموذج يُدرَّس في كيفية التصدّي لعدو لا يعرف الرحمة في استخدام القوة، وذلك عبر البقاء في الأرض ومنع استخدام بيوتهم لخدمة مشاريع غريبة وغير لبنانية.
تحديات البقاء والوعي التاريخي
وأوضح زياد ضاهر أنّ هذا الموقف ترافق مع تحديات يومية كبيرة، فالبقاء طوال هذه الفترة وحتى هذه اللحظة يشكّل تحدياً مستمراً. وقد استطاع أهالي حاصبيا، ولا سيما العرقوب، الاستمرار في قراهم بفضل تجربتهم الطويلة الممتدة إلى خمسينيات القرن الماضي في مقارعة الاعتداءات الإسرائيلية ودعم المقاومة بمختلف أشكالها.
وأضاف أنّ هذه الخبرة أنتجت وعياً كبيراً لدى الناس، خاصة بعد أحداث 7 تشرين والحرب في عامَي 2023 و2024، حيث تنبّه الأهالي إلى مشاريع التهجير الجديدة. وبما أنّ هناك عائلات لا تزال مهجّرة في صيدا وبيروت والبقاع منذ الخمسينيات، قرّر الناس ألا تتكرر التجربة وألا يُهجّروا مجدداً، لأن القناعة المشتركة اليوم هي أنّ ترك الأرض يعني احتمال عدم العودة إليها.
وأكد ضاهر أنّ الجميع مدين لكل رجل وامرأة وطفل بقي في هذه الأرض، لأن تمسكهم بحقهم في الوجود والعيش، كما أقرّته الشرائع الدولية، فتح المجال لحق العودة لكل الجنوبيين.
“الرسالة الأساسية هي ضرورة وقف الحروب، وتحديداً حروب الآخرين على أرض لبنان. فلو كانت هذه الحرب ستعيد شبراً واحداً من الأرض لما تراجع الناس عن خوضها”
الموقف من الحرب ودور الدولة
وقال زياد ضاهر إن الرسالة الأساسية هي ضرورة وقف الحروب، وتحديداً حروب الآخرين على أرض لبنان. فلو كانت هذه الحرب ستعيد شبراً واحداً من الأرض لما تراجع الناس عن خوضها، إلا أنّ القناعة الراسخة اليوم أنها تخدم مشاريع غريبة عن لبنان ومصالح اللبنانيين.
ولفت إلى أنّ العادات القروية في تخزين “المونة” ساهمت في تحقيق نوع من الاكتفاء الغذائي، مع توجيه الشكر لأجهزة الدولة والهيئة العليا للإغاثة واللجنة المركزية لإدارة الأزمات (DRR) التي سيّرت قوافل إنسانية عبر طريق البقاع لتعزيز صمود الأهالي.
وأضاف أنّ الجيش اللبناني لا يزال موجوداً في شبعا، مع ضرورة تعزيز حضور الدولة بكافة أجهزتها، لأن وجود الدولة مرحّب به، وغير ذلك غير مرحّب به. وشدّد ضاهر على أنّ الرسالة الأساسية لاتحاد بلديات العرقوب وحاصبيا هي أنّ الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المالكة لحق الدفاع والحق الحصري في استخدام السلاح.
أشار ضاهر أيضاً إلى الخسارة الكبرى في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، التي تُعد المورد الاقتصادي والمعيشي الأساسي للأهالي منذ عام 1952، إضافة إلى الخسائر غير المباشرة المرتبطة
الخسائر الاقتصادية والزراعية
وتحدّث زياد ضاهر عن الخسائر في منطقة العرقوب وحاصبيا، مشيراً إلى أنها لا تُقاس بحجم الدمار في بقية الجنوب، لكنها تبقى مؤلمة؛ إذ دُمّرت منازل بشكل كامل أو جزئي، وتضررت الطرق والمناطق الزراعية.
وأوضح أنّ استمرار المعركة لفترة طويلة منع المزارعين من الاهتمام بأراضيهم الحدودية، ما ألحق أضراراً كبيرة بالقطاع الزراعي. كما نزح ما لا يقل عن 40% من السكان، الأمر الذي أفقد الدورة الاقتصادية أكثر من نصف قوتها البشرية، خصوصاً في ظل غياب المصانع والمؤسسات الإنتاجية الكبرى.
وأشار ضاهر أيضاً إلى الخسارة الكبرى في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، التي تُعد المورد الاقتصادي والمعيشي الأساسي للأهالي منذ عام 1952، إضافة إلى الخسائر غير المباشرة المرتبطة بالعائلات التي نزحت سابقاً وعاشت في أحزمة الفقر وحُرم أبناؤها من فرص التعليم والعمل والمستقبل الأفضل.
الحراك التنموي والمواجهة السلمية
وختم ضاهر بالإشارة إلى أنّ “اللقاء التنموي في منطقة العرقوب وحاصبيا” أطلق بعد اندلاع الحرب حراكاً لتسليط الضوء على معاناة المنطقة، من خلال زيارات إلى المسؤولين والمراجع الدينية، بينهم وزير الداخلية ومفتي الجمهورية وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، بهدف رفع الصوت والمطالبة بوجود دولة دائم وفاعل.
وأكد أنّ النموذج الذي قدّمته المنطقة في قطع الطريق على المشاريع الغريبة يجب أن يُعمّم، لأن فاتورة المواجهة المدنية السلمية أقل بكثير من فاتورة المواجهة العسكرية التي أوصلت، للأسف، إلى تدمير أكثر من 55 قرية في جنوب لبنان تدميراً كاملاً، مشدداً على الحاجة اليوم إلى دعم الجميع لتعزيز هذا الصمود وحماية الأرض من الأطماع الخارجية.

