في المنطقة الرمادية بين الدبلوماسية والحرب: الحصار الاقتصادي كسلاح إخضاع

ايران

“الحرب والسلم”، إلياذة العصور الحديثة.. الرواية الملحمية التي كتبها “ليو تولستوي” في ستينيات القرن التاسع عشر، وهي تُعَد من التركيب بمكانٍ يجعلها أكثر من مجرد سردية؛ فهي إلى جانب الخيط السردي الذي يربط بين شخوصها العديدة والشديدة الثراء، تحمل مباحث اجتماعية وسياسية، ليخرج لنا بسِفرٍ قيِّم وحقيقي، يعطي صورة عن تحوُّلات المجتمعات إبَّان الحروب؛ وهو الحدث الذي أوقع رموز حروبه الحقيقيين في دوَّامات من الحرب والسِّلم والدمار والحصار والموت، فنعيش معهم صراعاتهم وحواراتهم ومؤامراتهم كما نعيش حروب هذه الأيام السوداء، ونبحث عن الإنسان الذي ضيَّعته الحروب… الأحياء منهم.. والأموات….

اقتصاد تحت الحصار: بداية الانهيار البطيء

يتفق محللون كثر على أن ضغوط التخزين تبدأ في الظهور خلال أسابيع لا أشهر في بلد تحت الحصار مثل إيران.. وعندها تجد إيران نفسها أمام تعديل قسري.. ومع شح الإيرادات، ترتفع البطالة التي تبلغ في الأساس 8.3 في المئة من القوى العاملة الإجمالية في 2025 وفق بيانات البنك الدولي. هكذا يتحول الاضطراب في التجارة الخارجية تدريجياً إلى انكماش أوسع في النشاط الاقتصادي، وخصوصاً تحت الحصار…

نعم، كثيراً ما استُخدم الحصار الاقتصادي أداة للإكراه، توضع عمداً في المنطقة الرمادية بين الدبلوماسية والحرب، وللشرق الأوسط تاريخه الخاص، الأكثر تفتتاً، في سياسات الحصار. وهو يقوم على أنه حين ترتفع تكلفة الحسم العسكري المباشر أو تبتعد عن المتناول، ينتقل الصراع إلى التحكم في الحركة والتحكم في الصراع.

هشاشة بنيوية: خاصرة إيران الرخوة

على خلاف كثير من الحالات التاريخية، يعاني الاقتصاد الإيراني انكشافاً بنيوياً مُثبتاً في البحوث والدراسات العلمية الدولية الموثّقة. فخريطته التجارية ضيقة ومركزة، وتعتمد بدرجة كبيرة على النقل البحري. ويمر أكثر من 90 في المئة من تجارة نفطه وتجارته غير النفطية عبر الخليج.

هذا الذي تسميه المنظومة العميقة الحاكمة في إيران، المخطوفة من الحرس الثوري، “الصمود”.. الصمود الذي كشفه مؤخراً مصدران مطلعان لـ”إيران إنترناشيونال” بأن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، غير راضيين عن طريقة إدارة الدبلوماسية الإيرانية، ولا سيما المفاوضات النووية، من قبل وزير الخارجية عباس عراقجي، ويطالبان بإقالته.

الصمود الدعائي وتصدّعات الداخل

كما يخفي هذا “الصمود” الدعائي لإيران الحرس الثوري مشكلات أعمق لا تلبث أن تظهر مع الوقت، وأولاها عقبات ملموسة على الأرض أكثر، خصوصاً بعد التصفيات الدموية التي قامت بها منظمة الباسيج الإجرامية.. باسيج ملالي الولي الدجّال ضد انتفاضة الشعوب الإيرانية من البازار إلى الطلاب.

المنطقة الرمادية: حرب بلا إعلان

المنطقة الرمادية مصطلح يصف الحيز غير الواضح أو المربك بين حالتين متضادتين، وتُستخدم في سياقات مختلفة من الشك واللاوضوح، أو العلاقات الدولية كحرب هجينة بين السلم والحرب، كما هو الحال مع الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، أو حتى في القضايا القانونية والمالية للدول، حيث لا تكون الأمور بيضاء (مستقرة) أو سوداء (نزاع كامل).

أبرز سياقات استخدام “المنطقة الرمادية” في السياسة والعلاقات الدولية: تعني الأعمال العدائية التي لا ترقى إلى مستوى الحرب التقليدية الشاملة، مثل الهجمات السيبرانية، الضغوط الاقتصادية، أو العمليات النفسية، وهي استراتيجية تهدف لتحقيق مكاسب دون مواجهة مباشرة.

استراتيجية الخنق: الرهان الأميركي

يشرح أليكس فاتانكا (زميل أقدم في “معهد الشرق الأوسط” ومؤلف كتاب “إيران وباكستان: الأمن والدبلوماسية والنفوذ الأمريكي” 2015) الفروق الجوهرية بين الحصار السابق والحالي، موضحاً أن نجاح ترامب في “خنق” إيران لا يتوقف فقط على قوة العقوبات الأمريكية.

كيف يتآكل الاقتصاد الإيراني تدريجياً؟ وما هي الأوراق التي تملكها طهران هذه المرة للمناورة في وجه حصار اقتصادي قد يكون الأكثر شراسة في تاريخها؟

استراتيجية الضغط الأقصى التي يعتزم دونالد ترامب انتهاجها ضد طهران، ومدى قدرتها على شل مفاصل الاقتصاد الإيراني.

السؤال الحاسم: هل ينجح الحصار أم ينقلب؟

يبرز هنا سؤال مركزي في الحصار/الحرب الدائرة في أهم مثلث في العالم: ما هي احتمالات فشل الحصار الأمريكي على إيران؟ وعلى ماذا يراهن الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستراتيجيته المبتكرة في محاصرة الحصار؟

يرد ستيفن كولينسون بـCNN: “يعد الحصار البحري الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحدث محاولة لاختبار نظرية لم تثبت صحتها بعد بشأن الحرب على إيران، وهي أن تفوق الولايات المتحدة سيؤدي حتماً إلى انهيار الجمهورية الإسلامية.

وتستند هذه الاستراتيجية إلى فرضية بسيطة: خنق صادرات النفط الإيرانية ووارداتها التي تموّل الحياة اليومية هناك سيؤدي إلى انهيار المجتمع. وهذا بدوره سيولد ضغطاً هائلاً على النظام للاستجابة لمطالب الولايات المتحدة بالتخلي نهائياً عن برنامجه النووي.. وأبعد…”

السابق
تصعيد ميداني جنوبًا..عون وسلام يلتقيان السفير الاميركي والحزب يجدد موقفه ضدّ التفاوض
التالي
بالفيديو: محاولات تقدم اسرائيلية باتجاه نهر زوطر..وغارات توقع شهداء وجرحى..