انتحاريو حزب الله: طائرات الدرون والقمصان السود…

مسيرات

حظي ما قاله قيادي عسكري في “حزب الله” لقناة “الجزيرة التلفزيونية” الاثنين هذا الأسبوع باهتمام في إسرائيل، لكنه لم يلقَ الاهتمام نفسه في إعلام “حزب الله” والتابع له في لبنان، كما لم يُثر أي اهتمام في إيران التي تُظهّر أنباء لبنان وفق ما يناسبها.

ما قاله قيادي الحزب: “إننا سنستخدم تكتيكات الثمانينيات ونفعّل مجموعات الاستشهاديين لمنع استقرار العدو، مؤكداً أن مجموعات كبيرة من الاستشهاديين تنتشر في المنطقة المحتلة وفق خطط معدة مسبقاً. إن مهمة الاستشهاديين الالتحام مع ضباط وجنود العدو في القرى اللبنانية المحتلة”.

الميدان يقول شيئاً آخر

مرّ يومان على هذا الإعلان، لكن الوقائع الميدانية أشارت إلى تطور آخر لا صلة له بـ”الاستشهاديين” على الإطلاق. فقد نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” تقريراً في بداية الأسبوع الحالي حمل عنوان “ليست هدنة إطلاق نار، بل حرب بطيئة”.

وجاء في التقرير: “ينهار وقف إطلاق النار يوماً بعد يوم. في غضون 11 يوماً فقط، فقدت إسرائيل ثلاثة جنود – اثنان قُتلا بسبب متفجرات مزروعة مسبقاً وواحد بواسطة طائرة بدون طيار من FPV. يقوم “حزب الله” بزرع عبوات ناسفة، ويطلق الصواريخ على المجتمعات الشمالية وقوات الجيش الإسرائيلي، ويطلق طائرات هجومية بدون طيار”. كما ورد في التقرير أنه “أصبحت قوة الطائرات بدون طيار التابعة لـ”حزب الله” واحدة من أكثر التهديدات فعالية التي تواجه قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، مع اعتماد طائرات الدرون ذات الرؤية الأولى، أو طائرات FPV. هذه الأنظمة رخيصة نسبياً، ما يجعلها أكثر جاذبية لـ”حزب الله” من استخدام الصواريخ بعيدة المدى في بعض الهجمات، ويتم تعديلها في ورش عمل في القرى الجنوبية اللبنانية، حيث يضيف العملاء زلاجات هبوط وكاميرات ومتفجرات، بما في ذلك مواد مأخوذة من رؤوس RPG الحربية. وأصعب جزء في المواجهة هو التوجيه بالألياف الضوئية. ويمكن إطلاق الطائرات بدون طيار من مسافة 10 كيلومترات أو أكثر وتشغيلها دون الإشارات الراديوية التي صُممت أنظمة الحرب الإلكترونية لاكتشافها وتشويشها الآن. كما رأينا يوم الأحد (الماضي)، لا يبقى أمام الجنود خيار سوى إطلاق النار عليها بأسلحتهم الشخصية. وفي الوقت نفسه، لا يزال مشغلو طائرات FPV التابعة لـ”حزب الله” بعيدين إلى حد كبير”.

يقوم “حزب الله” بزرع عبوات ناسفة، ويطلق الصواريخ على المجتمعات الشمالية وقوات الجيش الإسرائيلي، ويطلق طائرات هجومية بدون طيار”.

“الاستشهاديون” الجدد: درون لا دماء لها

يُستفاد من تقرير الصحيفة الإسرائيلية أن انتحاريي “حزب الله” هم، حتى الآن، طائرات درون لا تسيل منها الدماء. ويفاخر إعلام “حزب الله” يومياً بها، وآخر الأمثلة بيان الحزب مساء الثلاثاء هذا الأسبوع أنه “استهدف تجمعاً لجنود جيش العدوّ الإسرائيليّ في بلدة الطيبة بسربٍ من المسيّرات الانقضاضية”.

إذاً، ما صرّح به قيادي الحزب بالأمس لا يعدو كونه محاولة لرفع المعنويات ونشر صورة خارجية أنه ما زال ذلك التنظيم الذي انطلق من ثمانينيات القرن الماضي لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، فكان طليعة الاستشهاديين في ذلك الزمن من بقية نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية وفق ما تشير إليه الوثائق. ومن ثم عمّ هذا النموذج من المقاومة الذي شمل أطيافاً واسعة من المقاومة التي لم تكن حكراً على “حزب الله”.

يطول الكلام عن حقبة العمل المقاوم الذي عرفه لبنان لغاية الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، لكن ما يفيد الكلام عنه اليوم هو الحديث عن الجانب التقني من مسار انتهجه “حزب الله” بعد عام 2000، إلى حد أن الأمين العام السابق لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله تباهى قبل أعوام قليلة من مصرعه أن “حزب الله” باتت لديه الإمكانات لتصنيع المسيّرات في لبنان، طارحاً بصورة متهكمة إمكان طرح هذه الصناعة ومنتجاتها في الأسواق بأسعار تنافسية.

يُستفاد من تقرير الصحيفة الإسرائيلية أن انتحاريي “حزب الله” هم، حتى الآن، طائرات درون لا تسيل منها الدماء. ويفاخر إعلام “حزب الله” يومياً بها،

القمصان السود: فائض القوة في الداخل

في موازاة ذلك، أتاح فائض القوة الذي تمتع به “حزب الله” بعد عام 2000 أن يلجأ، في مناسبات عدة، إلى ظاهرة “القمصان السود” التي اشتهرت بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى عام 2011، وتشكيل حكومة اللون الواحد من دون القوى التي كسبت الانتخابات النيابية عام 2008.

غير أن الأوضاع تبدّلت جذرياً بعد حربَي الإسناد اللتين فتحهما “حزب الله” عام 2023 والعام الحالي. وصارت كل إمكانات الحزب من مسيّرات وأقمشة سوداء غير قادرة على جبه المخاطر التي اجتاحت لبنان عموماً والحزب خصوصاً.

فقد أفادت أحدث المعلومات أن إسرائيل تضع حالياً سقفاً زمنياً للمسار التفاوضي مع لبنان يمتد حتى منتصف أيار، مع منح مهلة إضافية لأسبوعين قبل التلويح باستئناف القتال المكثف، في وقت تدفع فيه الإدارة الأميركية نحو لقاء محتمل بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون.

ونقلت هيئة البث العام الإسرائيلية (“كان 11”) عن مصدر إسرائيلي، مساء الثلاثاء، أن “إسرائيل لا يمكنها الانتظار إلى ما لا نهاية، وسيتم منح فرصة إضافية لمدة أسبوعين للمفاوضات، وبعد ذلك سيتم التحرك”. كما قال نتنياهو إنه وجّه قبل أسابيع تعليمات بإطلاق “مشروع خاص” لمواجهة ما وصفه بتهديد الطائرات المسيّرة، مشيراً إلى أن ذلك “سيستغرق وقتاً، لكن سيتم التعامل معه أيضاً”.

يلجأ، في مناسبات عدة، إلى ظاهرة “القمصان السود” التي اشتهرت بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى عام 2011، وتشكيل حكومة اللون الواحد

إيران: دعم لفظي… وانتظار “الحاجة”

في أي حال، أطلق “حزب الله” نبأ الانتحاريين الذي تلاشى مفعوله بعد وقت قصير من إطلاقه. واكتفى قائد “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، غداة النبأ، بإصدار بيان جاء فيه: “لقد أثبتت المقاومة الباسلة لـ”حزب الله” في لبنان أن الروايات التي يروج لها الكيان الصهيوني، التابع له، لإنهاء المقاومة وتدمير “حزب الله” في لبنان، ليست سوى أكاذيب”.

وإذ لفت إلى “مبادرة ومقاومة الشباب اللبناني المتحمس”، قال: “إن ساحات المقاومة اليوم أقوى وأكثر تماسكاً من أي وقت مضى، تقف جنباً إلى جنب مع “حزب الله” البطل، وستتحرك عند الحاجة لنصرة الشعبين اللبناني والفلسطيني المظلومين، ولتُذكّر الصهاينة المجرمين بجريمتهم الشنيعة”.

سؤال الختام: أي “حاجة” بعد؟

هل هناك من “حاجة” أكثر مما هي اليوم، حيث تختفي معالم العمران في مناطق الحدود الجنوبية، ويستمر نزوح أكثر من مليون من السكان؟

ذاب “ثلج” القمصان السود في العقد الماضي، بانتظار أن يبان “مرج” الانتحاريين، الذين هم فعلاً ما تبقى من زمرة في إيران ولبنان قادوا البلدين إلى انتحار لا مثيل له في التاريخ.

السابق
علي الأمين : حزب الله يمسّ بباقي الطوائف ويرفص المحاسبة
التالي
هل تمّ الاتفاق حول مضيق هرمز؟..مجتبى خامنئي:الإدارة الجديدة لمضيق هرمز ستجلب الهدوء والتقدم!