الأنظمة «البروكرستية».. إيران نموذجاً..

ايران

ربما لم نعد اليوم ضحايا أخطاء المعرفة، أو أوهام “العقل الخالص”، أو الأيديولوجيا بقدر ما أصبحنا ضحايا عمى نظري يحجب عنا ما يحيط بنا… أصبحنا نعمل في لبنان “وفق متطلبات الوضع القائم”، أو بالأحرى الوضع المفروض علينا.. الوضع الذي عوّدونا عليه.. وتحولت أفكارنا تدريجياً إلى معرفة رسمية تُقدّس الأصنام المعاصرة أمام موتنا البطيء… وتؤسطر المعاني!

ولكي نتمكن من مقاومة النماذج الثقافية التقليدية والانفصال عن رؤى تُجمّد الماضي عبر قوالب جاهزة وتأويلات نهائية منغلقة، فلن يكفينا نقد يلاحق الأخطاء أو يحدد حدود الصلاحية أو يفضح الأيديولوجيا الثيوقراطية، بل ينبغي أن نرصد أشكال التخلف.. ونواجه الفكر الجاهز ونحطم حدائق الكريستال المستبدة…

من الثورة إلى القولبة الفكرية

بنشوة فقهية صاخبة عام 1979، أطلق “فقهاء” ثورة الولي الفقيه: “من ليس مع الثورة فهو ضدها”. روح الله الخميني، “قائد الثورة”، ترجم ذلك بحرفية عالية ضد خصومه، وذهب “المرشد الأخير” علي خامنئي أبعد من ذلك على طريقة “بروكرست”، عندما اتهم كل من يخالفه الرأي بأنه عدو الولي الفقيه،

وسار على نفس الدرب آلاف مؤلفة وغيرهم ممن اعتقدوا “النظرية الخمينية الباطنية”، وطبقوها بحرفية عالية ضد من يخالفهم وببراعة منقطعة النظير، ولمن لا يعرف لفظ “البروكرستية”، فإنها تشير إلى نزعة “فرض قوالب” على الأشياء – الأشخاص أو الأفكار.. – أو إلى الحقائق، أو تشويه المعطيات لكي تتناسب قسراً مع مخطط ذهني مسبق في العقول الباطنية المُشوّهة.

أسطورة بروكرست: العنف باسم القياس

حسب الأسطورة، فإن بروكرست هو ابن “بوسيدون”، وكان معقله الحصين في جبل “كوريدالوس”، حيث كان يملك سريراً حديدياً، يقوم بروكرست بدعوة أي مسافر مارّ ليحسن ضيافته ويدعوه إلى النوم في هذا السرير، وكان بروكرست مهووساً بأهمية أن يناسب طول الضيف السرير، فإذا كان الضيف أطول من السرير قام بروكرست بقطع أرجله ليتناسب مع السرير،

وإذا كان أقصر من السرير مطّ جسم الضحية حتى تتكسر مفاصله.. حتى يساوي جسمه السرير بالضبط. ولم يكن لأحد أن ينجو من هذا المصير المرعب، لأن بروكرست كان له سريران.

استمر بروكرست بجرائمه المروعة حتى أُلقى القبض عليه “ثيسيوس”، وأخضعه لنفس ما أُخضع له ضحاياه، حيث أنامه على سريره وقطع (رأسه) ليتلاءم مع السرير.

البروكرستية في الواقع المعاصر

يقول عادل مصطفى عن البروكرستية: “إنها القولبة الجبرية، والتطابق المتعسف، والانسجام المبيت. إنها افتئات على الواقع قلما يفلت من غضبة المنطق وانتقام الحقيقة”. واستناداً لهذا التعريف، فإن مصطلح البروكرستية يطرق مجالات واسعة من الحياة ليشمل أي محاولة لصب كل الاختلافات في قالب واحد!

فهذا الطبيب المخادع، حينما ينخدع أمام حالة فيعطي في باله تشخيصاً مسبقاً يكيف عليه الأعراض والعلامات ويلوي بها يميناً ويساراً لتأتي على مقاس تشخيصه؛ فبدلاً من أن يسير من العلامات إلى التشخيص سار بالعكس. وتلك الإدارة الماكرة توعز لاستخباراتها بأن تُفصّل لها تقريراً يتناسب مع قرار سياسي مبيت بدلاً من أن تُكيّف القرار وفقاً للمعلومات.

يقول عادل مصطفى عن البروكرستية: “إنها القولبة الجبرية، والتطابق المتعسف، والانسجام المبيت. إنها افتئات على الواقع قلما يفلت من غضبة المنطق وانتقام الحقيقة”.

فرض التجانس وقمع الاختلاف

تذهب البروكرستية إلى جانب آخر، وهو ما يسميه بعض المفكرين “البروكرستية المطلقة”، وهي محاولة لفرض التجانس على الناس، وتفرض المساواة المطلقة على المواطنين بحيث تضع الجميع في (قالب واحد) من دون مراعاة حقيقة اختلافاتهم.

نعم، يُطلق لفظ البروكرست على أي نزعة إلى (فرض قوالب) على الأشياء (الأشخاص أو الأفكار..) أو على الحقائق، أو تشويه المعطيات لكي تتناسب قسراً مع مخطط ذهني مُسبق كما تعمل الأنظمة التوليتارية المستبدة.

بروكرست الحاضر في مجتمعاتنا

إن بروكرست ما زالت روحه سارية في أجساد، أبت إلا خنق محاولات الإصلاح والنقد البناء، بل الإطاحة بها من المشهد تماماً.

وتنتهي الأسطورة عند هذا الحد، ولكن لا تنتهي المعاناة، فإن تلك الشخصية الأسطورية لم تمت إلا جسداً، أما روحها فهي حاضرة في جسد واقعنا الذي يتشكل في أسماء وألقاب بارزة، حاضرة وبقوة في مجتمعات تعيش ككائن ألف الظلام واعتاده،

فإذا ما عرضناه للنور هاجمك، وتفلت منك حتى يعود لظلامه، وهكذا يفعل البعض عندما تواجهه بحقيقة ما يمر به المجتمع من فساد وأخطاء وخراب وموت ينبغي علينا طرحها على طاولة الفكر، ولكننا نفاجأ بردة فعله، فإنه يركلها بقسوة معلناً أن في الظلام تتساوى الحقائق، ويتلاشى الاختلاف، وأنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون.

الفكرة في مواجهة القمع

إن مجتمعات وأحزاب تحمل سرير بروكرست معها في كل جلسة للحوار، ناسياً هذا الحاكم أو ذاك أنه كما لأقدامنا مقاسات، فإن لأفكارنا مقاسات تأبى المط أو التشكيل أو القولبة، فإن الفكرة وإن حبسها جسد من لحم ودم، فإنها تأبى أن تكون سجينة لحم ودم، بل إنها تسعى للإفصاح عنها وإن حاربها الجميع وطمسها البعض فترةً، وإن رموها بالرصاص كما قتل “الباسيج” الإيراني المجرم متظاهري الخبز والحرية في قالب إيران، فإنها مضادة للرصاص لا تموت بموت صاحبها، بل بضعف إيمان حامليها.

خلف كل وجه مزقته المصائب وشوهته المحن فكرة، فلا تكترث للرجل، فالرجل قد يموت، قد يُبدّل، قد يزل، قد يبيع مبادئه، ولكن تبقى الفكرة صامدة، إنها تغادر من غادرها لتستقر في عقل من قدرها.

نيتشه وبروكرست: صراع الحقيقة والقوالب

إن بروكرست، وإن فني جسده واندثر ذكره، إلا أنه ما زال يحاصرنا بسلالته وأحفاده، يحاصرنا بفكرته التي تأبى أن تنام طواعية على سرير الفكر، ولكنه ليس كالأول سرير قولبة ومط، ولكنه سرير فكر ومناقشة وحوار… إن بروكرست ما زالت روحه سارية في أجساد البعض، أبت إلا خنق محاولات الإصلاح والنقد البناء، بل الإطاحة بها من المشهد تماماً!

عند فريدريش نيتشه، أسطورة بروكرست تصبح أكثر من قصة قديمة، تتحول إلى نقد جذري لطريقة تفكير الإنسان في الحقيقة..

بعض الأنظمة الأخلاقية تفعل ما فعله بروكرست: تقص من الإنسان ما لا يناسبها أو تمده بالقوة ليصبح مناسباً لنموذج مثالي!

نيتشه وبروكرست: حين تتحول الحقيقة إلى سرير…

نيتشه يرى أن الإنسان غالباً لا يبحث عن الحقيقة كما هي، بل عن حقيقة مريحة تناسبه.

وهنا يظهر بروكرست كرمز خطير: العقل الذي لا يفهم الواقع، بل يفرض عليه مقاسه الخاص.

نيتشه يسمي هذا النوع من التفكير: اختزال الحياة في قوالب جاهزة.

نيتشه يرفض فكرة أن هناك حقيقة واحدة مطلقة ثابتة للجميع…

وهذا قريب جداً من بروكرست: بروكرست لديه سرير واحد، أي معيار واحد، كل البشر يجب أن يطابقوه!

نيتشه يقول العكس تماماً: لا يوجد سرير واحد للحقيقة، بل هناك عدد لا نهائي من الزوايا التي تُرى منها الحياة.

وهنا تظهر فكرته الشهيرة: المنظورية Perspectivism، أي أن كل إنسان يرى العالم من زاويته الخاصة، ولا توجد زاوية نهائية تحكم الجميع.

نيتشه ينتقد أيضاً الأخلاق التقليدية، خصوصاً عندما تتحول إلى قوانين صارمة تجبر الجميع على نفس السلوك.

هو يرى أن بعض الأنظمة الأخلاقية تفعل ما فعله بروكرست: تقص من الإنسان ما لا يناسبها أو تمده بالقوة ليصبح مناسباً لنموذج مثالي!

في نظره، هذا ينتج إنساناً مشوهاً نفسياً، لا إنساناً حراً… الحياة لا تُقاس بل تُعاش… نيتشه لا يريد حياة مُقاسة بدقة، بل حياة مليئة بالقوة.. التناقض.. والانفجار الإبداعي…

بروكرست يريد نظاماً جامداً: كل شيء يجب أن يكون بنفس الطول

نيتشه يقول في “الإنسان الأعلى”: كل محاولة لتوحيد البشر هي تقليل من الحياة نفسها… في مقابل هذا السرير الواحد يقدم فريدريش نيتشه فكرة الإنسان المتجاوز.. يرى أن الإنسان القوي هو الذي لا يخضع لقالب جاهز، لا يقبل أن يُقصّ أو يُمد ليتناسب مع غيره…

بل يخلق قيمه بنفسه، وهذا عكس بروكرست تماماً.. ليس هناك مقاس، بل هناك خلق ذاتي مستمر.

بأسلوب نيتشه، أسطورة بروكرست ليست حكاية عن شخص قاسٍ فقط، بل تحذير من كل فكر يريد أن يقول: الحقيقة يجب أن تكون نسخة واحدة تناسب الجميع.

يرد نيتشه على نفسه: الحقيقة ليست سريراً، بل صراع رؤى، وحرية تأويل، وتعدد لا يُختزل.

السابق
ورقة الجيش اللبناني: دور متقدّم في مرحلة ما بعد حزب الله
التالي
حسن فضل الله: سنسقط محاولة استنساخ انطوان لحد جديد في المنطقة