حذّرت دراسة صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت من تفاقم الأزمة الإنسانية للنازحين في لبنان، مؤكدة أن أكثر من مليون شخص يعيشون خارج مراكز الإيواء الرسمية في ظروف معيشية قاسية، بعيدًا عن تغطية كافية من الجهات الرسمية والمنظمات الدولية.
وأوضحت الدراسة، التي حملت عنوان “أحوال النازحين خارج مراكز الإيواء وتحديات الاستجابة للاحتياجات الإنسانية”، أن وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ منتصف آذار لم ينهِ أزمة النزوح، في ظل تدمير نحو 40 ألف وحدة سكنية خلال 43 يومًا من التصعيد العسكري، ما يمنع ما لا يقل عن 40 ألف عائلة من العودة إلى منازلها.
وخلال جلسة نقاشية عُقدت في Radisson Blu Hotel, Beirut Verdun، بمشاركة ممثلين عن إدارات رسمية ومنظمات دولية وخبراء في العمل الإنساني، أشار مدير المركز في بيروت، ناصر ياسين، إلى أن نحو 1.2 مليون شخص نزحوا داخليًا، لا يقيم منهم في مراكز الإيواء سوى 141 ألفًا (15%)، فيما يعيش نحو 85% في مساكن مستأجرة أو لدى أقارب، ضمن ظروف غير مستقرة.
وبيّنت إفادات المشاركين في الدراسة أن النزوح تجاوز كونه انتقالًا جغرافيًا، ليصبح تجربة قاسية تترافق مع فقدان الأمان والاستقرار، وضغوط نفسية واقتصادية متزايدة. كما أدى النزوح الحضري إلى ارتفاع كبير في الإيجارات، وتفاقم الاكتظاظ، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، إضافة إلى تسجيل ممارسات تمييزية في سوق السكن.
اقتصاديًا، يعيش النازحون ما وصفته الدراسة بـ”معادلة المستحيل”، إذ يواجهون إنفاقًا مستمرًا في ظل غياب مصادر الدخل، فيما تتركز المساعدات بشكل أساسي داخل مراكز الإيواء، ما يحرم الغالبية من أي دعم فعلي.
كما كشفت الدراسة عن فجوة واضحة بين حجم النزوح ومستوى الاستجابة الإنسانية، في ظل دور حكومي محدود واستجابة دولية أبطأ مقارنة بأزمات سابقة، خصوصًا نزوح عام 2024، إضافة إلى مشكلات في آليات التسجيل والتوزيع حالت دون استفادة عدد كبير من النازحين من المساعدات.
وعلى الصعيد النفسي والاجتماعي، أشارت الدراسة إلى أن النزوح لم يقتصر على فقدان المسكن، بل طال الكرامة الإنسانية للنازحين، نتيجة فقدان الخصوصية والاعتماد القسري على الآخرين، إلى جانب التعرض أحيانًا للوصم الاجتماعي.
من جهتهم، شدّد المشاركون في الجلسة على ضرورة إعادة النظر في آليات الاستجابة الإنسانية، لا سيما ما يتعلق بالمساعدات النقدية وتوزيعها بشكل عادل، إضافة إلى معالجة أزمة السكن عبر سياسات واضحة تقودها الدولة، وتفعيل دور البلديات والمحافظات في الاستجابة المحلية.
وفي ختامها، أكدت الدراسة أن وقف الاعتداءات العسكرية يشكّل شرطًا أساسيًا لأي تحسن، داعية إلى اعتماد دعم نقدي مباشر، وتنظيم قطاع السكن، وتعزيز الخدمات الأساسية والصحية، بما يضمن استجابة أكثر شمولًا وعدالة، تحفظ كرامة النازحين، خصوصًا أولئك المقيمين خارج مراكز الإيواء.

