مجلس الجنوب في «غيبوبة» الحرب: الصمت الذي يشبه «التواطؤ» على النازحين

إن الصمت المطبق للمجلس اليوم ليس مجرد غيابٍ إداري، بل هو "ندبة" في وجه التضامن الوطني مع الجنوب.

في وقتٍ تئن فيه قرى الجنوب تحت وطأة الدمار الشامل، ويخوض مئات الآلاف من النازحين معركة يومية للبقاء في مراكز الإيواء والمنازل المستأجرة، يرتفع في الشارع اللبناني، ولا سيما بين أوساط المهجرين قسراً، سؤالٌ ملح وموجع: أين “مجلس الجنوب”؟ ولماذا يغيب صوته وفعلُه في اللحظة التي وُجد أصلاً من أجلها؟

المهمة التي لم تُنجز: المجلس في اختبار الوجود

تأسس “مجلس الجنوب” في أعقاب الاجتياحات والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، تحت عنوان عريض: “تعزيز الصمود الجنوبي”.

كانت مهمته تاريخياً إدارة مشاريع إعادة الإعمار، تعويض المتضررين، وتأمين البنية التحتية الأساسية للمناطق المتاخمة للحدود. ولكن، مع اندلاع الحرب الضارية التي تشهدها البلاد منذ آذار ٢٠٢٦، وجد المجلس نفسه أمام “امتحان الوجود”.

ففي الأزمات الكبرى، لا تُقاس فاعلية المؤسسات الرسمية بحجم ميزانياتها السنوية أو روتين معاملاتها الورقية، بل بقدرتها على “الاستجابة الفورية” لنداء الناس.

واليوم، وبينما تتحول القرى الحدودية إلى ركام، يتساءل النازحون: إذا لم يكن المجلس حاضراً في “ساعة الصفر”، فمتى سيكون؟

المشهد الضبابي: صمتٌ في زمن الانهيار

على عكس التوقعات التي كانت تنتظر “خلية أزمة” استثنائية في مبنى المجلس، يبدو المشهد اليوم أقرب إلى الجمود. مراكز الإيواء التي تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية، والنازحون الذين يواجهون شتاءً قاسياً وفراغاً مالياً، يلتفتون يميناً ويساراً بحثاً عن دور لمؤسسةٍ لطالما قُدمت كـ “درع” للجنوب.

إن الغياب الميداني للمجلس يطرح علامات استفهام كبرى:

  • عجز أم تغييب؟ هل يفتقر المجلس للتمويل المباشر للتحرك، أم أن القرار السياسي الموجه للمؤسسات في هذه الحرب قد أدى إلى “شلل” فعلي لأدوارها؟
  • أزمة الأولويات: هل تحول المجلس إلى مؤسسة إدارية روتينية فقدت قدرتها على الاشتباك مع الواقع الميداني المتسارع؟

إذا لم يتحرك اليوم.. فمتى؟

لا يمكن فهم فلسفة وجود “مجلس الجنوب” إلا بكونه مؤسسة طوارئ دائمة. إن الحجج البيروقراطية أو نقص التمويل، مهما بلغت، لا تبرر غياب المؤسسة عن “أكبر مأساة إنسانية” يواجهها الجنوبيون منذ عقود.

الناس اليوم لا ينتظرون وعوداً بإعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب؛ هم ينتظرون “رغيفاً” و”مأوى” و”كرامة” الآن.

إن تحرك المجلس اليوم ليس منةً أو عملاً تطوعياً، بل هو واجبٌ وظيفي ووطني وأخلاقي. فإذا كانت هذه المؤسسة ستكتفي بدور “شاهد العيان” على تهجير الناس وتدمير بيوتهم، فإن جدواها تصبح محط تساؤل كبير لدى الرأي العام.

هل حان وقت “المساءلة”؟

إن الحرب لا تنتظر القرارات الإدارية، والنازح الذي فقد بيته لا يملك ترف الانتظار. إن استمرار غياب الدور الفاعل لمجلس الجنوب يعزز الشعور لدى المواطن بأنه “متروك لقدره”، ويزيد من حدة الشرخ بين الناس والمؤسسات.

على إدارة المجلس، والقوى السياسية المظلة له، أن تدرك أن التاريخ يُكتب في لحظات الوجع. فإما أن يثبت مجلس الجنوب أنه “بيت الجنوبيين” وحاضنتهم في المحنة، أو أن يتحول إلى مجرد رقم إضافي في دفاتر المؤسسات التي عجزت عن حماية الناس أو حتى الوقوف إلى جانبهم في أكثر أيامهم سواداً.

إن الصمت المطبق للمجلس اليوم ليس مجرد غيابٍ إداري، بل هو “ندبة” في وجه التضامن الوطني مع الجنوب.

السابق
علي الأمين: لبنان في «مواجهة وجودية».. حرب اقتصادية وتدمير ممنهج للجنوب تحت غطاء «غياب الحلول»
التالي
مطار بيروت بين النفي الرسمي وواقع الرحلات المحدودة: ما الذي يحدث فعلياً؟