لم يعد مهمًا تحديد الهدف الإسرائيلي من الإنزال العسكري في البقاع وما تلاه من معركة ضارية في بلدة النبي شيت، سواء كان استرجاع رفات الطيار رون أراد الذي فقد أثره في لبنان عام 1986 أو أي عمل عسكري أو أمني آخر. لم يعد مهمًا ما أعلنته إسرائيل عن نتائج العملية أو ما أعلنه “حزب الله” عن وقوع القوة المهاجمة في كمين نجح في إفشالها. لم يعد مهمًا ما اذا كانت القوة الإسرائيلية المهاجمة قد تكبّدت خسائر بشرية أم لا. لم يعد مهمًا ما تم تداوله عن كشف الجيش اللبناني للعملية في بداية الإنزال الجوي ثم مشاركته في معركة التصدي للمجموعة المهاجمة. لم يعد مهمًا حجم الخسائر البشرية من “حزب الله” وأهالي النبي شيت، وهم قرابة المئة بين قتيل وجريح.
المهمّ في العملية هو ضرورة الولوج الى العقل الاسرائيلي لقراءة تصوّره للتطورات، حيث بات في وضع يخوّله الاعتقاد بأنه قادر على تنفيذ أية مهمة في المكان والزمان المناسبَين. فهل هو تعبير عن فائض القوة، أو هو مؤشّر لبداية نهاية الحرب من وجهة نظر القيادة العسكرية الإسرائيلية؟ وهل كان الجيش الإسرائيلي مضطرًا لتنفيذ مثل هذه العملية وهو في خضمّ حرب كبرى في المنطقة لسحب رفات طيار فقد أثره قبل 40 عامًا؟
لماذا لم يعد “حزب الله” ينعى شهداءه؟
القراءة الموضوعية للعملية تشي بأن إسرائيل باتت تعتقد أن “حزب الله” لم يعد قادرًا على التأثير أو الرد الموجع على أي فعل تقوم به، فقرّرت تسريع العمليات العسكرية لتحقيق أهدافها في أسرع وقت ممكن، حتى تتفرغ بعدها لحربها مع إيران التي لا يستطيع أحد وضع سقف زمني لها. ولعل ما يدعم هذا الاعتقاد الإسرائيلي هو العدد الكبير من الضحايا اللبنانيين منذ بدء حرب إسناد إيران الاثنين الماضي، علمًا ان الاحصاء الأخير لوزارة الصحة أشار الى سقوط 217 قتيلا و798 جريحا، يضاف اليهم أكثر من 40 قتيلا و40 جريحا في معركة النبي شيت. هذه الارقام تعني أن كل يوم من الحرب يكلف لبنان نحو 50 قتيلا و250 جريحا، غالبيتهم من مقاتلي “حزب الله” الذي لم يعد يصدر بيانات نعي لشهدائه كي لا يؤثر سلبا على معنويات مقاتليه.
ضغوط النزوح والأزمة الاقتصادية
في سياق متصل تنظر إسرائيل بارتياح كبير الى تهجير نحو مليون مواطن لبناني شيعي من بيوتهم في الجنوب والضاحية وتحوّلهم الى مهجرين داخل بلدهم، لأنها تعتقد ان هذا الأمر سيكون له انعكاساته الايجابية لجهة ضغط الشارع وتحديدا بيئة “حزب الله” على الحزب الذي يعاني من أزمة اقتصادية تمنعه من إسناد بيئته ماليًا على غرار حربي 2006 و2023، ما دفع بعشرات آلاف العائلات غير الميسورة للتوجّه الى مراكز إيواء تفتقد لأدنى متطلبات الحياة الكريمة.
فرنسا دعت حزب الله لإلقاء السلاح
في إطار قراءة المشهد من زاوية مختلفة، لا بد من التطرّق الى المبادرة الفرنسية التي قيل لاحقا، بعد فشلها، انها مجرد أفكار لوقف الحرب. ونصّت المبادرة على إعلان “حزب الله” وقف القتال وإلقاء السلاح، وعلى دخول الجيش الى الضاحية الجنوبية، وتسليم “حزب الله” سلاحه خلال اسبوعين، وإعلان لبنان استعداده للدخول بمفاوضات سلام مباشرة مع إسرائيل. ولعلّ أخطر ما نصت عليه المبادرة الفرنسية هو انطلاقها من مبدأ إزالة سلاح “حزب الله”، وهو ما يعني تحقيق الهدف الاسرائيلي من الحرب كشرط لإنهائها، ما يعكس يقينًا اسرائيليا من تحقيق نتائج الحرب.
الحرب لن تنتهي إلا بغالب ومغلوب
لكل هذه الأسباب بات مؤكدًا أن هذه الحرب، مهما طالت مدتها، لن تنتهي إلا بغالب ومغلوب، لأن ما يرسم للمنطقة من قبل اسرائيل والولايات المتحدة، انطلاقًا من الحرب على إيران، لن يكون “حزب الله” قادرًا على إجهاضه، إنما سيكون قادرًا بالتأكيد على إطالة أمد الحرب والتسبب بمزيد من الخسائر البشرية والمادية للبنان.

