عن «جمول» ورجالها: رحيل مقاوم شجاع!

جمول

لا أعرف “تمَّام مصطفى”، اللبناني الجنوبي الذي توفي بالأمس، معرفة شخصية ولا افتراضية. عرفته بالأمس من خلال نعي الأصدقاء الموثوقين، والكثر جدًا له، نعي مليء بالفجيعة عليه وعلى صفاته الحميدة كمناضل في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمول – وكإنسان جنوبي مكافح، أصيل وشريف.

نقطة ضعف أمام مناضلي جمول

لا أخفي أن لدي نقطة ضعف أمام كل مناضل في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي أعتبرها إحدى أشرف الظواهر اللبنانية، إن لم يكن أشرفها. هؤلاء المناضلون الحقيقيون الأنقياء بأكثريتهم الساحقة، الذين تابعنا نضالاتهم في حينها، هم الذين ناضلوا وقاتلوا بأسنانهم وأظافرهم يوم عزَّ النضال والقتال، ويوم كان فيه القابض على المقاومة كالقابض على الجمر، دون منَّة أو مصلحة شخصية أو حزبية، سوى حبهم لأمهم الأرض التي يعرفونها وتعرفهم خير المعرفة.

ويوم كانت المقاومة وطنية لا طائفية ولا مذهبية، مقاومة من أجل الحياة السعيدة للأرض والبيوت والإنسان، لا من أجل الموت “السعيد”. يوم كان التحرير هدفًا يراد به وطن حر وبداية للتحرر من أجل شعب سعيد، ولكن أتت رياح السياسة والمصالح في العالم والإقليم بما لا تشتهي سفن الأحرار.

من التحرير إلى الانكفاء

فكان الانكفاء بعد تحرير أكثر من 80 بالمئة من الأراضي المحتلة، من بيروت حتى الشريط الحدودي، وبعد التنكيل بالاغتيال الذي تعرض له بعض القادة، والإهمال الذي تعرض له الأفراد، فكانوا كبارًا كرامًا في سلمهم كما في مقاومتهم ضد الاحتلال.

لم “يستثمروا” بمعظمهم في مقاومتهم لدى العامة من الناس، ولا لدى الخاصة من قوى الأمر الواقع الجديد، طلبًا لمصلحة أو سلطة أو جاه أو مركز، فقبضوا مرة جديدة على جمر المعاناة اليومية دون كلل أو ملل.

من المقاومة إلى الميليشيا

عندما انهار البلد بسبب المغامرات العديدة الفاشلة والخاسرة التي خاضها أولئك الذين لُزِّموا “المقاومة”، فجعلوا منها ميليشيا، وهي مغامرات أدَّت في النهاية إلى تقوية شوكة الفساد، بل تحالفت معه، وباتت غطاءً له ويدًا يضرب بها ثورة 17 تشرين.

قبل أن يؤدي هذا المسار إلى النكبة الكبرى التي بدأت بحرب إسناد غزة، وتعمَّقت بحرب إسناد إيران والثأر للمرشد الإيراني، ما أُضطر الناس، ومن ضمنهم أبطال جمول، لترك بيوتهم وأرضهم التي حرروها بالدم وشق الأنفس.

نهاية مؤلمة لأبطال منسيين

ليموتوا خارجها نازحين مظلومين مكتئبين، وهم يرون ثمرة نضالهم وصبرهم تذهب هباءً منثورًا، كعصف مأكول في معركة أطلقوا عليها اسم “العصف المأكول”، فكانت اسمًا على مسمى، ولكن في المكان والزمان الخطأ.

رحم الله كل شهداء لبنان، وعلى رأسهم شهداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمول – لأنهم من الأنقى والأخلص، ولأنهم ظُلموا مرتين في حياتهم وفي مماتهم، بعيدًا عن أرضهم وقراهم.

السابق
بعملية استباقية خاطفة.. الاستخبارات العسكرية العراقية تُطيح بالمسؤول المالي لـ «ولاية الفرات» الداعشية بالأنبار