أطلت مقدمة النشرة الإخبارية الرئيسية لقناة تلفزيون “المنار” الناطق باسم الحزب مساء امس الأربعاء بالاتي: “وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي يصمت عن واجب الكلام، وعندما يتحدث ينطق كفرا . فتبريراته للعدو الصهيوني لا تنتهي، وسقطاته على منبر الدبلوماسية اللبنانية لا تعد ولا تحصى، وجديده نقل تهديد عن الاسرائيليين للبنان بزيادة التصعيد الى حد التلويح باستهداف بنى تحتية استراتيجية كمطار بيروت، وهو ما نفته مصادر اسرائيلية، واستغربته مصادر رئاسية وحكومية لبنانية ليست على علم بالتهديد الذي تحدث عنه رجي، مع علم جميع اللبنانيين ان العدوانية الصهيونية لا تقف عند حد ولا تحتاج الى اي تبرير، لكن المشكلة بتبني الوزير رجي دائما الموقف الاسرائيلي بالتهديد والتبرير”.
كان لافتا ان “حزب الله” اتكل على النفيّ الإسرائيلي لكيّ يصفّي حسابه مع وزير دأب على المجاهرة بتطبيق حصر السلاح انطلاقا من القرارات الدولية لاسيما القرار 1701. لكن على ما يبدو أتت إستعانة الحزب بالنفي الإسرائيلي على طريقة “لا إله”. فقد حفل الاعلام الإسرائيلي في الأيام الأخيرة بمتابعة الملف اللبناني من زاوية مراقبة سلوك “حزب الله” عشية الحرب بين واشنطن وطهران. وفي احدث تقرير على هذه الصعيد أوردت صحيفة جيروزاليم بوست اليوم “ان إسرائيل بعثت برسالة غير مباشرة إلى لبنان بأنها ستضرب لبنان بقوة، مستهدفة البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المطار، في حال تورط “حزب الله” في أي حرب أميركية وإيرانية، حسبما قال مسؤولان لبنانيان رفيعان في مقابلة مع رويترز يوم الثلاثاء”. ودحضت الصحيفة الإسرائيلية كليا نبأ النفي الذي اعتمده الحزب نقلا عن الدولة العبرية كي يصوب سهامه على الوزير رجي. وذهبت صحيفة الاوريان لوجور اللبنانية الصادرة بالفرنسية في عددها امس الى القول انه وفقًا لمعلوماتها، “تمتلك إسرائيل قائمة تضم حوالي 1200 هدف في لبنان جاهزة لتتعرض للضرب في حالة تورط “حزب الله” في الحرب”.
أيا تكن ابعاد “المرونة” التي يظهرها “حزب الله” حاليا، يبدو ان إسرائيل لها حساباتها الخاصة التي لا تتأثر بما يصدر عن “حزب الله”. وعكس هذه الواقع تقرير حمل عنوان “الجيش الإسرائيلي يضرب قدرات “حزب الله” إستباقاً للحرب مع إيران
ظهرت مفارقة اخرى اليوم في التناقض الظاهر بين “حزب الله” وبين وزير خارجية ايران عباس عراقجي الذي انخرط اليوم في جلسة حوار حاسمة مع الطرف الأميركي في جنيف. ونعود الى صحيفة جيروزاليم بوست العبرية اليوم ، فهي اوردت تقريرا حمل عنوان: “لست قلقا على الإطلاق: قتل خامنئي لن يؤدي إلى انهيار النظام، يقول عراقجي الإيراني..نظامنا لا يعتمد على الأفراد. يحظى بدعم الشعب. لذا لست قلقا على الإطلاق. حتى في وسط الحرب، لم ينهار شيء” .
وجاء في تقرير الصحيفة الإسرائيلية: “قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم الأربعاء(امس) إن النظام الإسلامي لديه آلية لاستبدال المرشد الأعلى علي خامنئي في حال قررت الولايات المتحدة اغتياله”.
إقرأ أيضا: أساليب حزب الله في قمع معارضيه (2): حدادٌ على حرية الصوت داخل البيئة الشيعية
أضاف: “رأيت اقتراحات في وسائل الإعلام الأميركية باغتيال المرشد الأعلى، لكن هذا نظام. إنها آلية راسخة موجودة داخل النظام نفسه، لذا لن ينهار شيء. سيتم استبدال الجميع من خلال الإجراءات المعتمدة،” وفق ما قاله عراقجي في مقابلة مع موقع “الهند اليوم” الاخباري.
وتابع: “نظامنا لا يعتمد على الأفراد. يحظى بدعم الشعب. لذا، لست قلقا على الإطلاق. حتى في وسط الحرب، لم ينهار شيء، وتمكنا من مواصلة الدفاع عن النفس”.
لم يفت الجيروزاليم البوست ان تشير الى ان موقف عراقجي يأتي بعد أن قال مسؤول في “حزب الله” لوكالة فرانس برس في وقت سابق من يوم امس الأربعاء إن الجماعة اللبنانية لن تتدخل عسكريا إذا نفذت الولايات المتحدة ضربات “محدودة” ضد إيران.
وبحسب المسؤول، ستتدخل المنظمة إذا حاولت الولايات المتحدة إيذاء المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، والذي عرف بأنه “خط أحمر”.
وهكذا، أظهرت هذه المفارقة الجديدة في سلوك “حزب الله” ومواقفه انه “إيراني أكثر من الإيرانيين انفسهم” كما ظهر في موقفه من مصير خامنئي مقارنة بموقف وزير خارجية النظام نفسه من هذا الموضوع.
بحسب التقديرات الإسرائيلية،” يمرّ “حزب الله” بأصعب مراحله منذ أعوام. ويقول مسؤولون أمنيون إسرائيليون إن التنظيم يواجه صعوبات في تجنيد عناصر جديدة، وسط ازدياد الانتقادات داخل لبنان؛ كذلك يواجه الحزب صعوبات في دفع الرواتب وإعادة إعمار البنى التحتية المدنية في القرى التي تضررت في الجنوب اللبناني
حاول “حزب الله” في موقفه الأخير ادعاء “المرونة” بانه لن يندفع تلقائيا الى الحرب التي قد تنشب. لكن لم يقفل ، كما اسلفنا ، الباب امام “حرب إسناد” جديدة تنصر هذه المرة المرشد الإيراني على غرار الحرب التي شنها “حزب الله”في 8 تشرين الأول 2023 غداة حرب “طوفان الأقصى” التي شنتها حركة “حماس” في اليوم السابق في غلاف قطاع غزة.
لكن أيا تكن ابعاد “المرونة” التي يظهرها “حزب الله” حاليا، يبدو ان إسرائيل لها حساباتها الخاصة التي لا تتأثر بما يصدر عن “حزب الله”. وعكس هذه الواقع تقرير حمل عنوان “الجيش الإسرائيلي يضرب قدرات “حزب الله” إستباقاً للحرب مع إيران.” واعد التقرير يانيف كوفوفيتس ونشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 23 شباط الجاري. وجاء في التقرير :”يستعد الجيش الإسرائيلي لاحتمال انضمام “حزب الله” إلى مواجهة ضد إسرائيل إذا تعرضت إيران لهجوم، ويقدّر أن التنظيم يمكن أن يطلق صواريخ في اتجاه بلدات الشمال، لكنه سيحاول – على الأقل في المرحلة الأولى – تجنُّب تصعيدٍ يؤدي إلى حرب شاملة. وقال مسؤولون في الجيش إنه اتخذ قراراً مبدئياً بشأن عدم إخلاء بلدات الشمال في حال اندلاع الحرب”.
ويضيف: “يعتقد الجيش الإسرائيلي أن قدرة “حزب الله” على تنفيذ توغُّل واسع داخل الأراضي الإسرائيلية تضررت بشدة في الحرب الأخيرة. وأوضح مسؤولون في المنظومة الأمنية الإسرائيلية أن الغارات الواسعة التي شنّها الجيش الإسرائيلي ( الجمعة الماضي) على لبنان هدفت إلى تقليص قدرات “حزب الله”، تحسُّباً لانضمامه المحتمل إلى القتال. وتشير التقارير إلى أن هذه الغارات تنبع من تغييرٍ في النهج الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر؛ إذ بات الجيش يرى في مجرد وجود وسائل قتالية لدى “حزب الله” -حتى من دون دلائل على نية استخدامها فوراً – مبرراً للتحرك العسكري، مع إيلاء وزن أقل للحفاظ على الهدوء وروتين الحياة في بلدات الحدود؛ كذلك توجد معارضة مبدئية داخل الجيش لفكرة إخلاء بلدات الشمال في حال اندلعت الحرب، حيث سيُطلب من السكان البقاء في الأماكن المحصّنة، مثلما هي الحال في بقية أنحاء البلد.”
وبحسب التقديرات الإسرائيلية،” يمرّ “حزب الله” بأصعب مراحله منذ أعوام. ويقول مسؤولون أمنيون إسرائيليون إن التنظيم يواجه صعوبات في تجنيد عناصر جديدة، وسط ازدياد الانتقادات داخل لبنان؛ كذلك يواجه الحزب صعوبات في دفع الرواتب وإعادة إعمار البنى التحتية المدنية في القرى التي تضررت في الجنوب اللبناني، على الرغم من استمراره في تلقّي التمويل من إيران ومصادر أُخرى، والذي بلغ، بحسب التقديرات، نحو مليار دولار خلال العام الماضي.
ويشير تقرير هآرتس الى ان مركز ثقل التنظيم لا يزال في الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى جانب تجمعات لقواته في سهل البقاع والمناطق الواقعة شمال نهر الليطاني. وفي الجنوب اللبناني يحاول التنظيم الحفاظ على وجود محدود، مع نقل وسائل قتالية إلى مناطق تتجه أكثر نحو الشمال. ووفق مصادر عسكرية اسرائلية ، يركز “حزب الله” حالياً على نشاط مدني داخل لبنان، وفي الوقت نفسه، يسعى لتبرير تمسُّكه بالسلاح عبر ما يسميه رواية “ممر داود»” وهي ادّعاء أنه توجد خطة إسرائيلية لخلق تواصُل جغرافي في الشرق الأوسط.
تقدّر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في خلاصة تقرير هآرتس أنه في حال اندلاع مواجهة، فإن المعلومات الاستخباراتية التي جُمعت عن “حزب الله” “ستتيح توجيه ضربات أشدّ إلى التنظيم، مقارنةً بالحرب الأخيرة
ويرى مسؤولون كبار في المنظومة الأمنية الإسرائيلية أن المنطقة بأسرها تقف عند “نقطة غليان”، قبيل احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة إلى إيران، ومع ذلك، يشيرون إلى أن الجيش الإسرائيلي أعدّ خلال الأشهر الأخيرة خططاً عملياتية للقتال في لبنان، عُرضت على المستوى السياسي. وبحسبهم، فإن هدف إسرائيل في أي مواجهة مع “حزب الله” سيكون تحقيق حسم عسكري كامل، بحيث يتحول التنظيم إلى حركة سياسية فقط.
إقرأ أيضا: إفطار الزكاة في بعلبك دعوة بطبقتين وطاولة واحدة!
وتقدّر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في خلاصة تقرير هآرتس أنه في حال اندلاع مواجهة، فإن المعلومات الاستخباراتية التي جُمعت عن “حزب الله” “ستتيح توجيه ضربات أشدّ إلى التنظيم، مقارنةً بالحرب الأخيرة. كذلك يشير الجيش الإسرائيلي، بإيجابية، إلى دور الجيش اللبناني الذي يعمل في بعض المناطق على رصد ومصادرة وسائل قتالية؛ ومع ذلك، يؤكد مسؤولون أن إسرائيل لا تعتمد فقط على نزع سلاح “حزب الله” بهذه الطريقة. وتقول مصادر أمنية إن الجيش اللبناني يتجنب دخول المناطق المبنية في جنوب البلد، خشية إلحاق أذى بالمدنيين، وأن تقدُّمه بطيء وحذِر”.
خلاصة
تتيح هذه المعطيات المشار اليها آنفا، القول ان “حزب الله” يمثل ورقة إيرانية على وشك السقوط في خضم التحولات المذهلة في المنطقة. ويصح في هذه المجال وصف سلوك الحزب في هذه الآونة على انه في بعد هذه السلوك الداخلي ب”جحا وخالته”. ولكن الحقائق تفيد ان كل هذا التنمر الداخلي لن ينقذ “حزب الله” من مصيره المحتوم.

