وضعان متناقضان خيّما على جلسة مجلس الوزراء الثلاثاء: تردّد مستمر في ملف حصر السلاح، يقابله تسرّع غير مسبوق، تحت ضغط الشارع، في قضية بالغة الحساسية هي زيادة رواتب موظفي القطاع العام؛ وفي الحالتين لن يؤدي هذان الموقفان إلا إلى استمرار الأزمات وتفاقمها.
هذا الكلام لا يحمل تحاملاً على الحكومة الحالية التي يعلم القاصي والداني أنها تسلمت مهامها على أرض محروقة. إلا أن المهمة الأساسية للحكومة، أية حكومة، هي التصدّي للأزمات الكبرى واتخاذ القرارات الصعبة، غير الشعبية أحياناً، لما فيه مصلحة الوطن.
معضلة حصر السلاح والاشتراطات الدولية
من هنا، لم يعد مفهوماً هذا التردّد الحكومي في ملف حصر السلاح، لجهة التهرّب المستمر من تحديد مهل زمنية لتنفيذ هذا الاستحقاق الذي ترتبط به كل الملفات السياسية والاقتصادية الأخرى. فالمجتمعان العربي والدولي كانا (وما زالا) شديدي الوضوح مع الحكومة اللبنانية، فأكدا مراراً وتكراراً في مناسبات عدة أن لا إعادة إعمار للقرى المهدّمة ولا مساعدات أو قروض في كافة المجالات إلا بعد أن تبسط الدولة سيادتها على كافة أراضيها، علماً أن هذا الشرط الخارجي هو في الأساس مطلب لبناني من كافة القوى السيادية التي تريد بناء وطن حقيقي لجميع أبنائه.
يستمر تقاذف كرات النار والتهرّب من المسؤولية بين مجلسي الوزراء والنواب على غرار ما حصل في ملف الانتخابات النيابية
قرارات الرواتب والزيادات الضريبية
على الضفة الأخرى من مقررات مجلس الوزراء، رضخت الحكومة للتهويل الشعبي المتفاقم، فأقرّت منح ستة رواتب إضافية لموظفي القطاع العام مع كامل متمّماتها للعسكريين على أساس راتب 2019، على أن تكون هذه المنحة بمثابة تعويض شهري لا يدخل في أساس الراتب. كما أقرّ مجلس الوزراء إعطاء منح مالية شهرية (لم يحدّد قيمتها) للعسكريين في الخدمة الفعلية والمتقاعدين. وقال وزير المالية بعد الجلسة إن هذه الزيادات ستطال 320 ألف موظف في القطاع العام والقوى العسكرية.
هذا في اليد اليمنى؛ أما اليد اليسرى للحكومة فامتدّت مجدداً إلى جيوب المواطنين (والفقراء من بينهم بالتأكيد على عكس ما قال الرئيس نواف سلام)، عبر ضريبة مباشرة وفورية تبلغ 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، بالإضافة إلى زيادة واحد بالمئة على ضريبة القيمة المضافة لترتفع من 11 إلى 12 بالمئة، على أن يقرّها مجلس النواب في وقت لاحق. وربط مجلس الوزراء تاريخ البدء بدفع هذه الزيادة التي تبلغ تكلفتها 800 مليون دولار على الخزينة بإقرار زيادة الضريبة على القيمة المضافة في البرلمان. وبذلك يستمر تقاذف كرات النار والتهرّب من المسؤولية بين مجلسي الوزراء والنواب، على غرار ما حصل في ملف الانتخابات النيابية وما نتج عنه من أزمة لم تنتهِ فصولاً بعد.
إجماع على رفض القرارات العشوائية
ولعلّ الغريب في الأمر أن جميع القطاعات السياسية والعمالية والاقتصادية أعلنت رفضها المباشر والمطلق لهذه الزيادة وضرائبها. فالأحزاب السياسية، المشاركة وغير المشاركة في الحكومة، أكدت رفضها القرار واعتبرت أنه متسرّع ويفتقر إلى الدراسات الاقتصادية المطلوبة. أما النقابات العمالية فاعترضت على الضرائب التي تطال الفقراء، في وضع اقتصادي صعب أساساً. كما اعترضت القطاعات الاقتصادية على الضرائب، مؤكدة أنها ستنعكس مباشرة غلاءً على أسعار السلع الاستهلاكية المحلية والمستوردة بسبب ارتفاع أسعار النقل ورفع الضريبة على القيمة المضافة.
التردّد الحكومي في ملفات مصيرية، والذي يقابله تسرّع في قضايا اقتصادية ومعيشية لا تقل أهمية، يشكلان وجهين لعملة واحدة
والأغرب أن القطاعات المستفيدة من الزيادة انضمت سريعاً إلى رافضيها، لأنها لم تلبِّ طموحاتها ولم تحقق مطالبها وقررت مواصلة التصعيد. فقد رأت رابطة موظفي الإدارة العامة أن مقرّرات مجلس الوزراء التفاف على الحقوق، وأعلنت الإضراب يومي الخميس والجمعة. وللدلالة على صوابية موقف الرابطة، أشار خبير اقتصادي إلى أن هذه الزيادة لا تبلغ قيمتها الوسطية مئة دولار، لأنها تستند إلى راتب عام 2019، علماً أن الارتفاع المنتظر في أسعار السلع نتيجة الضريبة الجديدة سيتجاوز هذه القيمة.
غياب الرؤية الموازنية والمحصلة
ولعلّ ما لا يمكن تفهمّه أيضاً هو سبب عدم وضع الحكومة هذه الزيادات والضرائب المرافقة لها في صلب موازنة 2026 التي تمّ إقرارها قبل نحو أسبوعين في مجلس النواب، علماً أن هذه المطالب لم تكن مفاجئة للحكومة، وبالتالي كان لا بدّ من معالجتها في أساس الموازنة وليس كملحق لها.
في المحصّلة، يمكن القول إن التردّد الحكومي في ملفات مصيرية، والذي يقابله تسرّع في قضايا اقتصادية ومعيشية لا تقل أهمية، يشكلان وجهين لعملة واحدة غير قادرة على شراء الوقت الذي تريده الحكومة، وإنما قادرة بالتأكيد على شراء المزيد من الأزمات.

