سوريا الحرّة (1): حريّة المقاهي.. وغياب صور الرئيس

علي الأمين
نبدأ اليوم نشر سلسلة حلقات من زيارة رئيس تحرير "جنوبية" إلى سوريا، ضيف شرفٍ على معرض دمشق الدولي للكتاب. مشاهدات وانطباعات وملاحظات على دفتر سوريا الجديدة في الحلقة الأولى.

زيارة سوريا بعد سقوط نظام الأسد لها طعم خاص. وبعد عام ونيف على فرار الرئيس السابق بشار الأسد وتولي الرئيس أحمد الشرع السلطة، تتحول زيارة سوريا إلى رغبة شديدة لرصد التحولات في المشهد السوري، في صورة دمشق، في استكشاف حياة المواطنين، في النفوس التي طحنتها الحرب لسنوات، للبحث عن الثورة التي خرج السوريون قبل عقد ونصف إلى الشوارع مطلقين شعلتها بحثًا عن الحرية وسعيًا من أجل استعادة الكرامة.

أسئلة وهواجس شتى تنتاب الداخل في بلد طالما كان الخوف رفيقًا لصيقًا لزائره، منذ أن كان الأسد اختصارًا للدولة وهويتها المفروضة، وسجنًا كبيرًا يحوي سجونًا ومعتقلات تحفر في ذاكرة السوريين جروحًا عميقة، وفي أجسادهم التي نجت أختامًا انغرست في العيون التي انطفأت، وعلى بقية الجسد خرائط تودي إلى موت يمشي على قدمين أو يحبو فوق ركام.

دمشق بلا صور القائد…

كأيّ داخل إلى سوريا لم يزر هذا البلد منذ العام 2003، لفتني أمران. الأول هو حسن التعامل على الحدود السورية من قبل رجال الأمن مع القادمين، في الترحيب والسؤال بطريقة لائقة وفيها من احترام لم نعهده، إلى قسم العاملين في الأمن العام، إدارة منظمة بلا استنسابية، كأنك لست في سوريا التي كنت تعرف، أسلوب تعامل مهني وكفاءة تعطي انطباعًا بأن الفريق الذي يتولّى هذه المهمة مدرّب تدريبًا مهنيًا عاليًا،  معظمه من الفئة الشابة وفي العشرينات من أعمارهم.

الملاحظة الثانية، وهي المعبرة والملفتة في آن، أنك لن تجد في الطريق من الحدود إلى دمشق وشوارعها وأحيائها صورة للرئيس أحمد الشرع. أكثر من ذلك، لن تجد هذه الصورة لا على مركبة ولا على زجاج متجر، وحين سألت أحد سائقي الأجرة السوريين في دمشق عن ذلك، قال إن الرئيس الشرع منع ذلك، بل أصدر تعميما رسميا يعاقب من يرفع صورة الرئيس على مركبة أو في متجر خاص أو مكان عام.

لعل في هاتين الملاحظتين رمزية تعني كل مواطن سوري استُبيح بصور “القائد” وتماثيل الأب القائد وتأليه الرئيس. لا يوجد في دمشق اليوم شعار أو صورة في الفضاء العام إلا سورية أو الدولة السورية. لا استعراض ولا ادعاءات ولا شعارات.

 الناس يتنفسون حرية الكلام

قليلة هي الحواجز الأمنية الثابتة، ليس فيها ما يقلق وما يجعلك متحفزًا لسماع كلمة مسيئة أو استهانة بالمارين بعرباتهم. سلوك مهني لا يشي برغبة في الاستقواء أو الاستعلاء. هي انطباعات ذاتية وتتقاطع مع العديد من السوريين، الذين تغيرت ملامحهم من بؤس أو عبوس أو نظرات ملتبسة إلى شيء من السلوك والتصرف الطبيعيين.

يميناً: الدكتور عمر شحرور، الشاعر خليل حمادة، رئيس تحرير موقع جنوبية علي الأمين، نبيل مملوك ومحسن الأمين

ليس غريبًا أن تسمع في مقهى الروضة مثلًا، وهو من أقدم مقاهي دمشق وأعرقها، أحاديث فيها من الاعتراض والانتقاد، وفيها من المديح، وفيها ما هو دقيق بأن سورية أمامها تحديات كبرى، في عودة المهجرين وإعادة الإعمار، وأن خيار الانكباب على الداخل ليس خيار السلطة فحسب، هو خيار شعبي بالدرجة الأولى.

يميناً: الصحافي ماجد كيالي، رئيس تحرير موقع جنوبية علي الأمين، الناشط السياسي مشعل العدوي، الممثل غطفان غنوم، الشاعر خليل حمادة

الناشط والصديق مشعل عدوي، وهو من المؤثرين من خلال إطلالاته عبر اليوتيوب منذ بداية الثورة السورية، لا يخفي اعتراضاته على أداء السلطة، يتحدث بصوت عال، ولمست من خلال تنقلنا لساعات في أسواق وأحياء دمشقية حجما كبيرا من متابعيه وتأثيره فيهم. هو نفسه قال لي: لا أريد من السلطة أي مكسب وأي موقع، لذا أقول ما أراه ضروريًا وواجبًا. الحريّة لا تحتاج إلى إثبات، تلمس ملامحها في القول والتعبير، وأكثر، في الوجوه التي تبدو رغم المآسي والأزمات متفائلة بالمستقبل.

في مقهى الروضة – دمشق
يميناً: مشعل العدوي، علي الأمين
السابق
حين يرى الأعمى ما يخفيه المجتمع…
التالي
بيروت لم تغيّر خيارها… بل عاقبت الفراغ!