من «شريك القرار» إلى «جسم غريب»: قصة العزلة التي خنقت الضاحية!

ايران وحزب الله

منذ اللحظة التي أعلن فيها حزب الله انخراطه في ما أسماها “حرب الإسناد” في الثامن من أكتوبر 2023، دخل لبنان نفقاً مظلماً من التساؤلات حول جدوى ربط الساحة اللبنانية بساحات إقليمية لا تملك الدولة قرار السيطرة عليها.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه الحرب من عبء عسكري إلى عبء سياسي واجتماعي ثقيل، أدى إلى تآكل تدريجي في شبكة الأمان الوطنية التي كان الحزب يحتمي بها.

إلا أن التحول الدراماتيكي لم يكتمل إلا مع التصريحات الأخيرة للأمين العام للشيخ نعيم قاسم، التي نقلت الحزب من مربع “الدفاع عن الجنوب” إلى مربع “الارتهان المطلق لمصير إيران”.

إن تلويح قاسم بتحويل لبنان إلى جبهة مواجهة مباشرة في حال تعرضت طهران لهجوم، لم يكن مجرد تصعيد لفظي، بل كان بمثابة “رصاصة الرحمة” على التضامن اللبناني الهش.

هذا المسار، الذي بدأ بخرق مبدأ “النأي بالنفس” وانتهى بجعل بيروت ملحقاً أمنياً لطهران، أطبق طوق العزلة على الحزب، فخسر الحلفاء الذين سئموا دفع فواتير “الولاية”، واستفز الخصوم الذين باتوا يرون في سلاحه عائقاً وجودياً أمام قيام الدولة، وترك الحزب وحيداً في “خندق أيديولوجي” يفصله عن واقع لبناني منهك لم يعد يحتمل مغامرات عابرة للحدود.

إقرأ أيضا: البيئة ليست درعًا سياسيًا: هل ما زال حزب الله شريكًا في الدولة؟

لم يعد حزب الله يواجه مجرد معارضة سياسية عابرة، بل بات يعيش في حالة “عزلة وجودية” أطبقت بفكّيها عليه من الداخل والخارج.

هذه العزلة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة تراكمية لسياسات “وحدة الساحات” التي بلغت ذروتها في الخطاب الأخير للشيخ قاسم.

العزلة الوطنية: سقوط “الشرعية الشريكة”

تعتبر العزلة الداخلية هي الأخطر، لأن الحزب طالما احتمى بـ”الإجماع الوطني” أو “التوافق” لتمرير أجندته. اليوم، انكسر هذا الدرع تماماً:

  • انفصال عن الواقع اللبناني: بينما تنشغل بيروت بموازنة 2026 والبحث عن لقمة العيش وتأمين الرواتب، يطل الحزب ليتحدث عن “حرب إقليمية” لحماية طهران. هذا الانفصام خلق فجوة هائلة بين أولويات الناس وبين “هوس” الحزب العسكري.
  • تآكل الغطاء الطائفي: لم يعد الحزب يمثل “مقاومة لبنانية” في وجدان الطوائف الأخرى، بل بات يُنظر إليه كـ”جسم غريب” يفرض إرادة خارجية بقوة السلاح. العزلة هنا تحولت إلى حالة “رفض شعبي” صامت ومعلن يتجاوز الانقسام السياسي التقليدي.

عزلة الحلفاء: “الطلاق الصامت” مع عين التينة وبعبدا

لأول مرة، يجد حزب الله نفسه وحيداً في القاعة البرلمانية وفي الأروقة السياسية:

  • تصادم الأجندات مع بري: الرئيس نبيه بري يحاول الحفاظ على ما تبقى من الدولة ومؤسساتها، بينما يندفع الحزب نحو خيارات انتحارية. الاستياء في “عين التينة” نابع من أن الحزب يحرج حليفه الشيعي أمام المجتمع الدولي ويُهدد مساعي إعادة الإعمار.
  • القطيعة مع الرئاسة والجيش: بعد الهجمات الإعلامية للحزب على رئيس الجمهورية جوزاف عون، سقطت آخر جسور الثقة مع المؤسسات الشرعية. الحزب اليوم معزول سياسياً داخل مؤسسات الدولة التي باتت ترى فيه عائقاً أمام أي مبادرة إنقاذ (كالتي تقودها قطر).

العزلة العربية والدولية: لبنان في “الغرفة المعزولة”

أطبق الخارج حصاره على الحزب، مما انعكس عزلةً على لبنان ككل:

  • الجدار العربي السميك: العزلة العربية لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت “مالية وتنموية”. الدول العربية، وخاصة الخليجية، لم تعد مستعدة للاستثمار في بلد يرهن قراره السيادي لطهران، مما ترك الحزب وحيداً في مواجهة الانهيار الاقتصادي لبيئته.
  • استراتيجية “التفكيك” الأمريكية: مع إدارة ترامب (2025-2026)، انتقلت العزلة الدولية من “التصنيف الإرهابي” إلى “الملاحقة الميدانية”. الحزب اليوم معزول عن المنظومة المالية العالمية، ومطارد تكنولوجياً وسيبرانياً، مما شلّ قدرته على المناورة الخارجية.

العزلة الأمنية: “الانكشاف” الذي فضح الهشاشة

العزلة هنا داخلية في بنية الحزب نفسه. كما يشير رئيس تحرير موقع “جنوبية” علي الأمين، يعيش الحزب حالة من “العزلة الأمنية” بعدما تآكلت ثقة القيادة بالقواعد نتيجة الاختراقات البشرية الكبيرة.

  • الشك الداخلي: المحاكمات السرية وتصفيات “العملاء” خلف الأبواب المغلقة جعلت الحزب يعيش عزلة “الخوف من الداخل”.
  • فقدان الهيبة: عندما تُغتال قيادات الصف الأول والثاني بسهولة، يسقط “وهم القوة” الذي كان يرهب الخصوم، فتزداد جرأة الجميع على عزل الحزب وتهميش مواقفه.

الحزب في “المنفى” داخل وطنه

العزلة التي تُطبق على حزب الله اليوم هي عزلة “نهاية الخيارات”. لم يعد يملك أوراقاً للمقايضة بها سوى التهديد بـ”الانتحار الجماعي”. الحزب اليوم “منفي” سياسياً داخل لبنان، ومطرود دبلوماسياً من العرب، ومطارد عسكرياً من الغرب.

إن إصرار الحزب على جعل بيروت “ضاحية لطهران” حوّله إلى “جزيئة معزولة” في النسيج الوطني اللبناني. لقد سقطت الأقنعة، وبات الحزب يواجه الحقيقة المرّة: لا يمكن العيش في وطن وأنت تعمل كجندي في جيش دولة أخرى.

السابق
تسونامي الذهب يضرب الأسواق: الأونصة تقترب من 5600 دولار
التالي
نهاية «خارطة الطريق» إلى بعبدا: كيف فجّر خطاب نعيم قاسم جسور الحوار مع القصر؟