في توقيت إقليمي بالغ الدقّة، حطّ وزير الدولة القطري محمد عبد العزيز الخليفي في بيروت، على رأس وفد رسمي، في زيارة حملت دلالات سياسية وتنموية متعدّدة. فالزيارة لم تكن بروتوكولية، بل جاءت محمّلة بحزمة دعم واسعة للبنان، في لحظة يعاني فيها البلد من ضغوط أمنية واقتصادية متزامنة مع تصعيد إسرائيلي مستمر جنوبًا، وتوتّر إقليمي متصاعد على جبهة إيران.
الخليفي استهل لقاءاته من قصر بعبدا، حيث شدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على تقدير لبنان للدور القطري، ولا سيما في دعم الجيش اللبناني، مؤكّدًا الحاجة إلى استمرار هذا الدعم في ظلّ التحديات الأمنية، خصوصًا في الجنوب، حيث تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية ويُعرقل تطبيق القرار 1701 وعمل لجنة “الميكانيزم”.
أعلن الموفد القطري عن حزمة مشاريع تنموية وإنسانية تُنفّذ عبر صندوق قطر للتنمية، شملت دعم قطاع الكهرباء بمنحة مباشرة بقيمة 40 مليون دولار ومشروع استثماري بقيمة 360 مليون دولار، إضافة إلى 185 منحة دراسية، ومبادرات لدعم الشباب والرياضة، وإعادة بناء مستشفى الكرنتينا، فضلًا عن إطلاق مشروع العودة الطوعية والآمنة لنحو 100 ألف نازح سوري بكلفة أولية تبلغ 20 مليون دولار.
تصعيد ميداني جنوبًا يواكب الخطاب
تزامنت الزيارة مع تصعيد ميداني إسرائيلي، تمثّل في غارة استهدفت سيارة في محيط صور وأدّت إلى مقتل الشيخ علي نورالدين، إضافة إلى اعتداءات متفرّقة شملت إطلاق نار وغارات جوية وقنابل صوتية في عدد من البلدات الجنوبية. وأعلن الجيش الإسرائيلي استهداف “عنصر من حزب الله”، في استمرار لنمط الضربات التي ترفع منسوب التوتّر وتضع الداخل اللبناني أمام مخاطر الانفجار.
واعلن الجيش الإسرائيلي ان سلاح الجو هاجم منذ قليل عنصرا من حزب الله في مدينة صور جنوبي لبنان.
والقت مسيرة اسرائيلية بعد الظهر قنبلة صوتية مستهدفة معملا للرخام على طريق عديسة – مركبا.
واقدم الجيش الاسرائيلي اليوم على اطلاق النار باتجاه مجموعة من الشبان كانوا يقومون باستصلاح ارض زراعية شرق بلدة يارون في قضاء بنت جبيل ، من دون وقوع اصابات، فيما تضررت احدى الاليات التي كانت تعمل في المكان.
وشنّ الطيران الحربي الاسرائيلي عند الثالثة من بعد منتصف الليل، غارات جوية استهدفت مرتفعات عقماتا-اللويزة في منطقة اقليم التفاح.
خطاب نعيم قاسم: لبنان ليس على الحياد
في المقابل، جاء خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ليعيد ربط الساحة اللبنانية مباشرة بالصراع الإقليمي. قاسم أعلن بوضوح أنّ الحزب “ليس على الحياد” في حال تعرّضت إيران لهجوم أميركي أو إسرائيلي، معتبرًا أنّ أي تهديد للمرشد الإيراني علي الخامنئي هو “تهديد لملايين المؤمنين” و”اغتيال للاستقرار الإقليمي”.
وأكد قاسم التزام الحزب بقيادة “الولي الفقيه” عقيدةً ومنهجًا، مشددًا على أنّ الحزب يمتلك “كامل الصلاحية” لاتخاذ ما يراه مناسبًا في مواجهة أي عدوان محتمل على إيران. كما استعاد سردية الصراع الطويل مع الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرًا أنّ صمود إيران وإفشال مشاريع خصومها يشكّل خلفية مباشرة لأي قرار مستقبلي.
بين منطق الدولة ومنطق المحور
تكشف هذه التطورات عن مفارقة لبنانية حادّة: في وقت تسعى فيه دولة كقطر إلى تحصين لبنان عبر الدعم التنموي والمؤسساتي، وإبعاده عن حافة الانفجار، يذهب خطاب حزب الله إلى تكريس لبنان كجزء لا يتجزأ من معادلة الصراع الإقليمي، مع ما يحمله ذلك من مخاطر كبرى.
بين دبلوماسية التهدئة التي تمثّلها الدوحة، وخطاب المواجهة الذي يرفعه حزب الله، يقف لبنان مرة جديدة عند تقاطع الخيارات الصعبة: إمّا تثبيت الاستقرار الهشّ بدعم عربي ودولي، أو الانزلاق مجددًا إلى لعبة المحاور، حيث يصبح الداخل اللبناني ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الكبرى.

