ما يجري في لبنان لم يعد قابلاً للتوصيف كتطورات أمنية أو تداعيات صراع إقليمي. نحن أمام مسار استنزاف واضح ومتواصل ومكلف، لا يُفرض على البلاد من الخارج فقط، بل يُدار من الداخل بقرار سياسي يتخذه حزب الله ويُلزم به دولة كاملة. الاغتيالات اليومية عبر المسيرات الاسرائيلية، وضرب البنى الحيوية، والانكشاف الأمني المستمر، ليست قدراً، بل نتيجة مباشرة لخيار إبقاء لبنان ساحة مفتوحة بلا ضوابط ولا أفق.
من الاستثناء إلى الروتين
القتل اليومي تحوّل إلى روتين، والاستهدافات والغارات الجويّة لم تعد مفاجئة، بل باتت جزءاً من مشهد يُعاد إنتاجه ببرودة. هذا النمط لا يشير إلى قوة ردع، بل إلى عجز بنيوي في المعادلة التي يفرضها الحزب: سلاح حاضر دائماً، وحماية غائبة دائماً، وبيئة تُستنزف بصمت، فيما يُطلب منها دفع الثمن بلا نقاش.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن العدوان تهرباً من المسؤولية. فحزب الله ليس طرفاً عاجزاً عن تغيير قواعد اللعبة فحسب، بل طرفا يرفض تغييرها، في حين ان كل ضربة جديدة لا تكشف ضعف الدولة فقط، بل تكشف أيضاً إفلاس الخيار الذي يقدّم السلاح كبديل عن السياسة، والمواجهة الدائمة كبديل عن أي مشروع وطني قابل للحياة.
الكلفة الاجتماعية وتآكل الشرعية
الأخطر أن كلفة هذا المسار لا تُقاس عسكرياً، بل اجتماعياً. إعادة الإعمار مؤجلة، والنزوح يتوسع، والاقتصاد يُستنزف، فيما يُترك المواطن وحيداً في مواجهة الانهيار. هنا لا يُستهدف العدو، بل المجتمع نفسه. لا تُنهك إسرائيل، بل يُنهك لبنان، وتُستنزف قدرة الناس على الاحتمال، لا قدرة الخصم على المواجهة.
ومع الوقت يبدأ التآكل الحقيقي: تآكل الشرعية. لا لأن الناس تغيّر قناعاتها فجأة، بل لأن الواقع يفرض أسئلته القاسية: ما جدوى سلاح لا يمنع الضربات؟ ما معنى الحماية إذا كان ثمنها الفقر والتهجير والانكشاف الدائم؟ ومن فوّض حزب الله بتحويل بلد كامل إلى ورقة تفاوض إقليمية مفتوحة؟
الاستنزاف كسياسة
هنا يصبح الاستنزاف سياسة، سياسة تقوم على إبقاء القرار الأمني خارج الدولة، وتعليق حياة اللبنانيين على صراعات لا يملكون قرارها ولا نهايتها. فلبنان لا يُستنزف اليوم في مواجهة إسرائيل، بل في معركة فرض السلاح كسلطة أمر واقع، وإبقاء الدولة معطّلة، والمجتمع رهينة الخوف والتعب والانتظار.
في المحصلة، لا يُدفع هذا الثمن باسم الدفاع عن لبنان، بل باسم إيران، وإبقاء ورقة المفاوضات بيد ولي الفقيه، بحماية نفوذ سياسي عسكري قرر أن بقاءه أهم من بقاء الدولة، وأن صمود الناس مجرد تفصيل ثانوي.
وهكذا، لا تُدار هذه المعركة ضد عدو خارجي، بل ضد الداخل نفسه، حيث يُطلب من اللبنانيين التكيّف مع الخسارة، والتعايش مع الاستنزاف، وقبول الانهيار كأمر واقع.
«وهكذا، يُستنزف لبنان لا في معركة مع إسرائيل، بل في معركة إبقاء السلاح موجهاً إلى الداخل، فيما يُترك المجتمع وحده ليدفع الفاتورة.»

