لم يكن الخطاب الأخير للأمين العام لـ”حزب الله”، الشيخ نعيم قاسم، مجرد موقف سياسي عابر، بل جاء كـ”انفجار كلامي” لم يوفر فيه لغة الشتائم الهابطة، موجهاً إهانات مباشرة وضمنية طالت هرم السلطة، ممثلاً برئيس الجمهورية جوزيف عون، ووزير الخارجية يوسف رجي.
هذا التصعيد الحاد، الذي تجاوز الأعراف الدبلوماسية والسياسية، يعكس بحسب مراقبين حالة من “التخبط العميق” داخل قيادة الحزب التي بدأت تفقد صوابها السياسي أمام المتغيرات المتسارعة.
“دبلوماسية التهديد” وفشل أدبيات التخويف
بدأ المشهد يتأزم حين فوّض الحزب القيادي محمود قماطي للرد على كلام الرئيس عون حول انتهاء دور السلاح، ملوحاً بشبح “الحرب الأهلية”.
ولكن، حين اكتشف الحزب أن لغة التهديد لم تعد تجدي نفعاً ولم ترهب المؤسسات الرسمية، قرر الشيخ نعيم قاسم رفع السقف إلى مستويات غير مسبوقة، متوسلاً “الأسوأ” في قاموسه الخطابي.
ويرى محللون أن هذا “الاستقواء المفاجئ” جاء نتيجة قراءة خاطئة للمشهد الإقليمي؛ حيث ظن الحزب أن احتمالية تراجع الضربة الأمريكية لإيران تمنحه صكاً مفتوحاً لفرض وصايته مجدداً على الداخل اللبناني، فأراد قاسم الإيحاء بالصلابة بينما الواقع يشير إلى أن الحزب يمر بأخطر مراحل وجوده مع انكشاف راعيته الإقليمية إيران.
استهداف وزير الخارجية: محاولة لـ “إسكات” السيادة
تركز الهجوم الأعنف لقاسم على وزير الخارجية يوسف رجي، متهماً إياه بـ “تعطيل الدبلوماسية” والعمل لصالح أجندات خارجية، بل ووصل الأمر إلى حد اتهامه بـ “التلاعب بالسلم الأهلي”.
ولم يكتفِ قاسم بالنقد، بل نصب نفسه “رئيساً للحكومة” مطالباً إياها بـ “إما تغيير الوزير، أو إسكاته، أو إلزامه”.
هذا الهجوم استدعي رداً حازماً من مصادر سياسية متابعة، فندت عبر “نداء الوطن” مزاعم قاسم، واعتبرت أن اتهام الوزير رجي بتنفيذ سياسة إسرائيل هو “سقطة وطنية”؛ فالدبلوماسية التي تسعى لحماية لبنان واستعادة سيادته هي قمة الواجب الوطني وليست خيانة.
إقرأ أيضا: من وهم الخطابة إلى منصة الوعظ: دليل الشيخ نعيم في الحرية والديموقراطية
وكما اعتبرت أن المطالبة بإسكات وزير يمارس مهامه الدستورية هو اعتداء صارخ على هيبة الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وتساءلت المصادر بوضوح: إذا كان قاسم يرفض وضع السلاح تحت سقف الدولة، فماذا ينوي فعله به؟ وهل الهدف هو الاستمرار في “تجارة الأوهام” على حساب شعب منهك؟
السخرية من “وهم النصر” والواقع المرير
في لغة حملت الكثير من التهكم، اقترحت المصادر إرسال “البيان الوزاري” واتفاقات وقف الأعمال العدائية إلى الشيخ قاسم مترجمة إلى اللغة الفارسية، لعل النص اللبناني لم يعد كافياً لإفهامه أن الوزير يلتزم بسياسة حكومته وليس بسياسة المحاور.
وأشار مراقبون عبر “نداء الوطن” إلى أن قاسم “تمرد مجدداً على الدولة”، موحياً بأن “دويلته” لا تزال هي الآمر الناهي. وكلما اشتد الخناق على نظام الملالي في طهران، يزداد الحزب تعنتاً في بيروت، محاولاً تصدير أزماته الداخلية عبر الهجوم على الشخصيات السيادية التي ترفض الانصياع لإملاءاته.
عودة لغة “الخيانة” لتغطية الهزيمة
إن لغة “تخوين” وزير الخارجية والتحريض على رئيس الجمهورية ليست إلا محاولة للتغطية على حقيقة أثقل من أن تُقال: وهي أن مشروع “المقاومة” بات عبئاً على الدولة، وأن “أوهام النصر” التي تُباع في الخطب لا تصرف في واقع العملة المنهارة والمدن المحطمة.
ورأت أوساط سياسية عبر صحيفة “الأنباء الكويتية” أن خطاب قاسم حمل رسائل “مشفرة” وأخرى علنية صوّبت في اتجاهين:
بناء سردية مضادة للرئيس عون رغم عدم تسميته صراحة، إلا أن حديث قاسم عن “الأعقل والعاقل” فُهم كاردّ مباشر على دعوة الرئيس عون للحزب بالتعقل، وتأكيده أن السلاح بات عبئاً على بيئته وفقد دوره الرادع. قاسم حاول في المقابل تبرير الاحتفاظ بالسلاح كضرورة للدفاع عن “النفس والشعب والوطن”.
والتصويب على اللجنة الخماسية فلم يتردد قاسم في تسمية “الخماسية” (أمريكا، السعودية، فرنسا، مصر، وقطر)، داعياً إياها للضغط على إسرائيل بدلاً من لبنان، وذلك في ذروة حراك اللجنة التي عقدت لقاءً مفصلياً مع الرئيس عون بحضور الموفدين يزيد بن فرحان وجان إيف لودريان.
هجوم استباقي على “خطة شباط”
يُقرأ تصعيد قاسم، وخصوصاً عباراته الحادة مثل “طويلة على رقبتكم” و*”لن يبقى حجر على حجر”*، على أنه هجوم استباقي يهدف لعرقلة استحقاق شباط المقبل. ففي هذا الشهر، يُفترض أن يقدم الجيش اللبناني خطته المتعلقة بالمرحلة الثانية من سحب السلاح في المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي.
هذه الخطة، التي استمدت زخمها من مواقف الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تهدف إلى استكمال مسار تفكيك الترسانة العسكرية، وهو ما يراه الحزب تهديداً وجودياً لمنظومته، مما دفعه للتلويح بـ”الحرب الأهلية” واتهام المطالبين بحصر السلاح بأنهم يريدون تحويل لبنان إلى ساحة مستباحة.
التوقيت الدولي: آذار اختبار للنيات
ووفقاً لـ «الأنباء» الكويتية، فإن الحذر العربي والدولي تضاعف عقب تهديدات قاسم، وهو ما تفسره المعطيات حول سبب تحديد موعد مؤتمر دعم الجيش في آذار وليس شباط. الهدف من هذا التأخير هو مراقبة كيفية إدارة لبنان الرسمي لمعضلة السلاح شمال الليطاني، واختبار مدى قدرة المؤسسة العسكرية على تنفيذ خطتها أمام “الجدار” الذي يرفعه الحزب.
تفسير جديد للاتفاق: نسف “المراحل”
وفي محاولة لقطع الطريق على أي خطوات مستقبلية، قدم قاسم تفسيراً مغايراً لاتفاق 27 تشرين الثاني 2024، معتبراً أن لبنان نفذ كل ما عليه، وأن المقاومة ساعدت في ذلك إلى الحد الأقصى، في محاولة لنسف مبدأ “تدرج المراحل” الذي تستند إليه الدولة والمجتمع الدولي لتنظيف المنطقة من السلاح غير الشرعي.
ويضع حزب الله اليوم الدولة اللبنانية أمام خيارين أحلاهما مرّ؛ فإما التسليم ببقاء الجزر الأمنية شمال الليطاني، وإما مواجهة تهديدات بانهيار السلم الأهلي، وهو ما يضع “خطة الجيش” والغطاء الدولي لها في اختبار مصيري خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

