الإحتجاجات تشتعل..وملالي إيران يستدعون ملالي طالبان إلى حلبة صراع البقاء

ديما صلح

ما يحدث اليوم في إيران لا يمكن اختزاله في احتجاجات معيشية ولا في موجة غضب عابرة يمكن احتواؤها بخطاب أو قمع تقليدي.

ما يجري هو اهتزاز عميق في بنية الشرعية نفسها، شرعية نظام بنى وجوده على عقيدة عابرة للحدود، ثم اكتشف متأخرًا أن الداخل الذي أُهمل طويلاً لم يعد قابلًا للتأجيل ولا للتخدير. الشارع الإيراني لا يثور لأنه جائع فقط، بل لأنه بات يرى بوضوح أن النظام الذي صادر السياسة باسم الدين، والاقتصاد باسم الأمن، والمجتمع باسم المقاومة، لم يعد قادرًا حتى على حماية نفسه من شعبه.

ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن هذا النظام سيسقط تلقائيًا بفعل الاحتجاجات وحدها هو قراءة رومانسية للتاريخ، لا تشبه واقع الدول العميقة.

التفاهم مع طالبان… سقوط المذهبية أمام المصلحة

إيران ليست دولة بسيطة، وليست نظامًا فرديًا يمكن إسقاطه بإزاحة الرأس، هي منظومة متشابكة من الحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، والاقتصاد الموازي، والمؤسسة الدينية، وشبكات نفوذ داخلية وإقليمية، تعرف جميعها أن سقوط المرشد بلا خطة انتقال يعني انهيار الدولة نفسها. لذلك، فإن ما نراه اليوم هو صراع بين شارع كسر حاجز الخوف، ونظام لم يفقد بعد أدوات السيطرة، لكنه فقد شيئًا أخطر (القدرة على الإقناع).

في قلب هذا المشهد، تظهر مفارقة تكاد تكون صادمة للرأي العام العربي، النظام الإيراني، الذي قدّم نفسه لعقود بوصفه حامي المذهب وخط الدفاع الأول ضد (التكفيريين)، يقف اليوم في خندق واحد، ولو بصمت، مع حركة طالبان، ليس لأن العداء المذهبي انتهى، بل لأن المذهب سقط لحظة تعارضه مع مصلحة البقاء.

السياسة، حين تضيق الخيارات، لا تعترف إلا بالمنفعة، وإيران في لحظتها الحرجة هذه لا تبحث عن حلفاء يشبهونها، بل عن شركاء يمنعون الانهيار.

الاعتقاد بأن هذا النظام سيسقط تلقائيًا بفعل الاحتجاجات وحدها هو قراءة رومانسية للتاريخ، لا تشبه واقع الدول العميقة

علاقة استخدام متبادل لا تحالف عقائدي

العلاقة بين طهران وطالبان لم تولد فجأة، ولم تكن يومًا علاقة ثقة أو انسجام عقائدي، بل علاقة استخدام متبادل. فحين كانت طالبان معزولة دوليًا، كانت إيران إحدى القنوات القليلة التي قدمت لها دعمًا ماليًا ولوجستيًا، ليس حبًا بها، بل لأن استثمار الخصم المحتمل أفضل من تركه يتحول إلى تهديد غير منضبط.

وحين تدهورت علاقة طالبان مع باكستان ووصلت إلى اشتباكات حدودية، فتحت إيران لها بابًا استراتيجيًا عبر ميناء تشابهار، مانحةً إياها متنفسًا اقتصاديًا ومسارًا تجاريًا يحررها من الابتزاز الباكستاني ويفتح لها الطريق نحو الهند، العدو التقليدي لإسلام آباد.

تشابهار: الميناء الذي أعاد رسم النفوذ

بهذا المعنى، لم يكن تشابهار مجرد ميناء، بل إعادة رسم لخريطة النفوذ في جنوب آسيا. طالبان لم تعد بحاجة إلى باكستان كما كانت، وإيران وجدت في ذلك فرصة لتوسيع هامشها الإقليمي بأدوات غير عسكرية. التجارة، السكك الحديدية، التبادل السلعي، كلها تحولت إلى لغة سياسة صامتة، تُدار بعيدًا عن الشعارات، وتخدم طرفين يواجهان ضغوطًا أميركية مباشرة أو غير مباشرة.

طالبان كعامل استقرار في الخاصرة الشرقية

الأخطر من ذلك أن هذا التقاطع لم يبقَ عند حدود الاقتصاد. ففي إقليم سيستان وبلوشستان الإيراني، حيث تنتشر جماعات سنية مسلحة، وحيث الخوف الدائم من تسلل تنظيم الدولة، لعبت طالبان دورًا غير معلن في التأثير على هذه الجماعات وضبط حركتها، ليس دفاعًا عن إيران بدافع مذهبي، بل لأن الفوضى العابرة للحدود تهدد الجميع، ولأن تمدد تنظيم خارج السيطرة يعني خسارة الجميع لأوراقهم. هكذا، تحولت طالبان من خصم مذهبي إلى عامل استقرار نسبي في خاصرة إيران الشرقية، في واحدة من أكثر المفارقات السياسية فجاجة في المنطقة.

لكن كل هذا لا يعني أن النظام الإيراني في وضع مريح. على العكس، ما يجعل اللحظة الحالية خطيرة هو أن الخيارات تضيق. البرنامج النووي، والمنظومة الصاروخية، والتمدد الإقليمي، التي شُيّد عليها الخطاب الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية، باتت عبئًا وجوديًا.

إذا فُرض على إيران تفكيك هذه العناصر، سواء عبر ضربة خارجية أو تسوية قسرية، فإن الأساس الذي قام عليه النظام سيتآكل. نظام بلا (مقاومة) وبلا مشروع تمدد، يصبح نظامًا بلا سردية، وبلا مبرر تاريخي للبقاء.

معضلة ما بعد خامنئي

هنا تحديدًا تكمن عقدة التحليل، فإسقاط خامنئي وحده لا يكفي، بل قد يكون مدخلًا إلى فوضى شاملة. فالتجارب التاريخية لا ترحم السذاجة، وفي الدول المعقدة، لا يُسلَّم الحكم لمعارضة غير قادرة على ضبط الجيش والأمن. ما جرى في فنزويلا مؤخرًا بعد سقوط مادورو، وما جرى في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، يوضح أن الانتقال، إن حدث، يتم عبر جزء من النظام نفسه، لا ضده بالكامل.

في إيران، الجيش النظامي وحده لا يكفي، والحرس الثوري هو القوة الحقيقية، وأي مرحلة ما بعد خامنئي لن تكون ضد الحرس، بل عبر شخصية أو جناح داخله، قادر على إدارة انتقال مؤقت يحفظ الدولة ويعيد تعريف النظام.

الخشية الكبرى، إقليميًا ودوليًا، ليست سقوط النظام بحد ذاته، بل ما بعده.

إيران ليست جزيرة معزولة، بل عقدة بشرية وجغرافية، وملايين اللاجئين الأفغان يعيشون داخلها، وأي انهيار شامل سيفتح موجات لجوء إيرانية نحو دول الإقليم، وهو سيناريو لا أحد قادر على تحمله.

تحولت طالبان من خصم مذهبي إلى عامل استقرار نسبي في خاصرة إيران الشرقية، في واحدة من أكثر المفارقات السياسية فجاجة في المنطقة.

تغيير بطيء لا يؤدي الى انفجار

لهذا، فإن كثيرًا من العواصم، حتى تلك التي تعادي طهران، لا تريد (عراقًا جديدًا)، بل تغييرًا مضبوطًا، بطيئًا، يعيد سلوك الدولة من دون تفجير الكيان.

الخلاصة القاسية أن إيران اليوم تقف عند مفترق تاريخي. فالاحتجاجات حقيقية، والشرخ عميق، لكن النظام لم يُكسر بعد. والتحالف غير المعلن مع طالبان ليس خيانة مذهب، بل اعتراف صريح بأن العقيدة، حين تعجز عن حماية السلطة، تُرمى جانبًا بلا تردد.

ما لم تلتقِ الضغوط الداخلية مع قرار خارجي واضح، وما لم يظهر من داخل المنظومة من يفهم أن بقاء الدولة يمر عبر إنهاء حكم الفرد، فإن إيران ستبقى معلّقة بين الغليان والانفجار، دولة تعرف أن النهاية قادمة، لكنها لا تزال تساوم على شكلها وتوقيتها.

السابق
منع حقائب الوفد الإيراني في مطار بيروت وسط جولة دبلوماسية لعراقجي!
التالي
عراقجي: إيران قوية ومستعدة… و«الحزب» شأن لبناني وحصري