عن «الإسناد» وسقوط النظام السوري: قراءة ديما صلح في «جنوبية» للتداعيات على لبنان والبقاع

عُقدت في بيروت مساء الثلاثاء في 30 12 2025،  ندوة فكرية بمكتب “جنوبية”،  تناولت تداعيات سقوط النظام السوري على لبنان عمومًا وعلى منطقة البقاع خصوصًا، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والناشطين، وبحضور سياسي وثقافي متنوع.

استُهلّت الندوة بكلمة ترحيبية ألقاها الناقد الأدبي الأستاذ نبيل مملوك، رحّب فيها بالباحثة ابنة بعلبك، ديما صلح، واصفًا إياها بناشطة وباحثة سياسية تحمل ثلاث شهادات جامعية في إدارة الأعمال وعلم النفس الاجتماعي، إضافة إلى كونها كاتبة في عدد من المنصات الإعلامية، من بينها موقع «جنوبية».

ديما صلح: قراءة في العلاقة اللبنانية – السورية

في مستهل مداخلتها، عبّرت الباحثة ديما صلح عن شعور خاص رافق مشاركتها في الندوة، قائلة إنها شعرت بشيء من الهيبة قبل الحضور، لا تهيّبًا من المكان، بل إدراكًا منها لنوعية الحضور، وللباع الطويل الذي يتمتع به العديد من الشخصيات السياسية والفكرية والأكاديمية المشاركة، وللخلفية العلمية العميقة التي يحملها هذا الجمع.

وأضافت أن هذا الشعور، «بين الهيبة والفخر، ليس تناقضًا، بل دليل احترام لتجربة سياسية راكمت معرفة، ولنقاش عام لا يُدار بالشعارات بل بالعقل والتحليل والمسؤولية»، مؤكدة أن وجودها بين هذا الحضور مصدر فخر حقيقي، ومتمنية أن يكون اللقاء مساحة حوار جدي، صريح، ومسؤول، يليق بحساسية المرحلة.

وانتقلت صلح إلى طرح سؤال اعتبرت أنه يتكرر كثيرًا، لا سيما مع الذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد: ما علاقتنا بسوريا؟ ولماذا نقحم أنفسنا في ملف ليس لبنانيًا؟

ورأت أن هذا السؤال يعكس جهلًا عميقًا بالتركيبة السياسية والتاريخية للبنان، مشددة على أن لبنان لا يمكن أن يكون كيانًا معزولًا عن محيطه.

وأشارت إلى أن المنطقة تمرّ بمرحلة إقليمية ودولية تتسم بعدم اليقين، حيث تحاول تركيا تثبيت نفوذها، وتتعامل إسرائيل مع سوريا بوصفها مسرحًا أمنيًا، فيما تلعب مصر دور الوسيط الإقليمي، مع تركيز خاص على ملف سلاح حزب الله. واعتبرت أن هذه التحركات تجعل من لبنان، وخصوصًا البقاع وبعلبك، مختبرًا مباشرًا لتأثيرات الصراعات الخارجية.

الأثر التاريخي والاقتصادي للوجود السوري

استعرضت صلح الخلفية التاريخية لدخول الجيش السوري إلى لبنان في سبعينيات القرن الماضي، معتبرة أن هذا الوجود تحوّل تدريجيًا إلى هيمنة أمنية أضعفت الدولة، وأرست اقتصاد ظل في البقاع قائمًا على التهريب.

وأوضحت أنه، رغم انسحاب الجيش السوري عام 2005، بقيت البنية التحتية غير الشرعية والسلاح خارج إطار الدولة، ما جعل المنطقة هشّة عند اندلاع الثورة السورية عام 2011. وأضافت أن الانخراط في الحرب السورية حوّل الحدود إلى ممر مفتوح للسلاح والمخدرات، معزّزًا اقتصاد الظل ومقوّضًا سيادة الدولة.

ولفتت إلى أن التقارير الدولية أظهرت أن الأزمة السورية زادت الضغط المالي على لبنان بمليارات الدولارات، وكان البقاع والشمال الأكثر تضررًا، خصوصًا مع استقبال لبنان أكثر من مليون نازح، تحمّل البقاع الجزء الأكبر من أعبائهم.

صلح: منابر حزب الله عدائيةتجاه الرئيس احمد الشرع وتصر على اطلاق لقب «عصابات الجولاني» التي تتسم بالإهانة تجاه القيادات السورية الجديدة، وهي لغة تؤدي إلا إلى تغذية الكراهية وتعميق شعور المظلومية داخل البيئة الشيعية.

سقوط الأسد وحرب الإسناد

وتوقفت صلح عند مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، معتبرة أن انهيار الغطاء السياسي لشبكات التهريب كشف هشاشة ما سُمّي بـ«العمق الاستراتيجي» الذي استند إليه خطاب حرب الإسناد. وأشارت إلى أن غياب خطة بديلة ترك فراغًا أمنيًا خطيرًا، في وقت يشهد فيه الناتج المحلي للبقاع انكماشًا حادًا، وفق تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وشددت على أن استمرار السلاح خارج الدولة لا يوفّر حماية، بل يزيد من الاستنزاف، مؤكدة أن أي استقرار مستدام لن يتحقق إلا بعودة الدولة إلى احتكار العنف القانوني.

الدولة والبيئة الشيعية: مقاربة غير إقصائية

وأكدت صلح في خلاصة مداخلتها أن استعادة الدولة لا تعني إلغاء أي مكوّن، بل إعادة الجميع إلى أدوارهم الطبيعية ضمن نظام يحمي الجميع. وحذّرت من استعداء البيئة الشيعية أو التعامل معها ككتلة واحدة، باعتبارها جزءًا أصيلًا من الكيان اللبناني.

وختمت بالقول إن البقاع وبعلبك يقفان أمام استحقاق تاريخي: إما الانتقال إلى موقع الشراكة الكاملة في الدولة، أو البقاء في دائرة الانتظار، مشددة على أن التاريخ لا يمنح فرصًا بلا ثمن.

مداخلات ونقاشات

قدّم الدكتور حارث سليمان مداخلة سياسية نقدية، اعتبر فيها أن حزب الله، مع دخوله القتال في سوريا، بات المشهد وكأنه يقاتل السنة، وأن ادعاءات الانتصارات هناك عكست تصرفًا وكأنه انتصر على سنة بعلبك، ما أدى إلى محاولة إخضاعهم. وفي حرب الإسناد، تعمّد الحزب إطلاق صواريخه من الأحياء السكنية، متسببًا بدمار داخل هذه الأحياء البقاعية.

وأشار إلى أن حزب الله يُعدّ أكبر رب عمل في بعلبك، حيث يدفع نحو 25 ألف راتب تقريبًا، عدا الخدمات الاجتماعية والصحية والتربوية، مقابل قدرة النخب المستقلة في بعلبك على بناء علاقات إيجابية مع الدولة، وهو أمر يجب الاعتراف به.

أحد الحاضرين تساءل إلى متى سيبقى لبنان ساحة للصراعات، معتبرًا أن البلد يعيش أزمات دائمة ويتكل على الخارج في حلها، داعيًا الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها. ولفت إلى أن الصورة النمطية السلبية عن بعلبك تفاقمت بسبب عصابات المخدرات وسرقة السيارات، من دون الأخذ في الاعتبار أنها منطقة زراعية بامتياز، وتملك إرثًا ثقافيًا وفنيًا هائلًا، من مهرجانات بعلبك إلى التراث الأثري والسياحة التي كانت مزدهرة في البقاع.

الواقع الاقتصادي والاجتماعي للبقاع

عرض الأستاذ ياسين شمص للوضع القائم في بعلبك والبقاع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، مؤيدًا ما قاله د. حارث سليمان حول كون الحزب رب العمل الأكبر في المنطقة، إضافة إلى سيادة تجارة الممنوعات.

وأشار إلى أن تراجع نفوذ الحزب وسقوط نظام بشار الأسد أوجدا فراغًا كبيرًا لن يملأه إلا الدولة، في ظل غياب خطة حقيقية حتى الآن. وأكد أن الإمكانيات متوفرة إذا قامت شراكة بين النخب المستقلة البقاعية وإمكانات الدولة.

كما دعا إلى تشجيع الاستثمارات في البقاع من خلال إعداد قانون يزيل التشويه العقاري، لما لذلك من أثر إيجابي على لبنان كله. وتناول انشاء مجمع «الإمام علي» السكني في الهرمل من قبل حزب الله، المؤلف من 300 وحدة سكنية والمجهّز ببنية تحتية كاملة، مشيرًا إلى أن سكانه جميعا غير لبنانيين قادمون من سوريا، وأن الحرس الثوري الإيراني مسؤول عن أمن المنطقة، وقد وردت معلومات لدينا ان تمويل انشاء المشروع قدمته الفصائل الشيعية العراقية المسلحة.

تراجع الحزب والخيارات المقبلة

رأى الأستاذ عماد سماحة أن حزب الله وقبضته الأمنية يتراجعان في البقاع وسيتراجعان أكثر مستقبلًا، إلا أن الاستقرار في لبنان وسوريا لن يكون قريبًا، ما يجعل الخيار الوحيد هو الالتفاف حول الدولة، وتشجيع التيارات المستقلة، والاستعداد للانتخابات المقبلة.

من جهته، اعتبر الدكتور مجيد مطر أن بعلبك – الهرمل ضحية عدم ترسيم الحدود مع سوريا، منتقدًا تقصير الحكومة في الحفاظ على ثقة المواطنين، ما يشكّل خطرًا حقيقيًا.

مروة: بيان السيدان الامين وفحص هو وثيقة تُظهر ان شريحة شيعية لبنانية ناصرت ثورة الشعب السوري رغم المخاطر والضغوطات في ذلك الوقت.

مروة يستذكر بيان السيدين الأمين وفحص

اعتبر الناشط السياس مالك مروة أن تراجع نفوذ حزب الله عزّز العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التاريخية بين أهل البقاع والسوريين، وسأل ما إذا كان البقاعيون، وخصوصًا السنة، أصبحوا أكثر راحة في علاقتهم مع سوريا الجديدة.

كما استذكر مروة “البيان التاريخي” الذي اطلقه المفكران الشيعيان الراحلان السيد محمد حسن الامين والسيد هاني فحص، دعما لـ”انتفاضة الشعب السوري” عام عام 2013 ضد الحكم الظالم ، وهذا البيان على حدّ قول مروة هو وثيقة تُظهر ان شريحة شيعية لبنانية ناصرت ثورة الشعب السوري رغم المخاطر والضغوطات في ذلك الوقت.

بدوره تساءل الدكتور علي مراد عن إمكان ترميم العلاقة بين شيعة البقاع وسنة القلمون، في ظل ما سببه تدخل حزب الله في سوريا من قطيعة في التواصل والمصاهرة.

وردّت الدكتورة ديما صلح معتبرة أن حزب الله وصم السنة بالإرهاب، ومع سقوط النظام السوري، تعيش غالبية الشيعة هاجس الخوف من الانتقام، مؤكدة أن المسؤولية مشتركة لإزالة هذه المخاوف، ومشيرة إلى أن كثيرًا من السياسيين الشيعة ما زالوا يستخدمون لغة تحريضية بعيدة عن واقع بيئتهم.

سليمان: الوعاء الطائفي يجب أن يكسر، فلا مصالحة مع فكر حزب الله، يجب تفكيك عقيدته وبنيته الفكرية، وإلا ستقتلهم هذه العقيدة وتقتل الشيعة وتبيدهم

الحاجة إلى مشروع وطني بديل

اعتبر نزار مرتضى أن “التفاهم الذي حصل بين حزب الله والتيار الوطني الحر وفّر غطاءً مسيحيًا لتدخل الحزب في سوريا”، معتبرًا “أن الفظائع المرتكبة لن تُنسى”، ومتسائلًا عن صعوبة قبول السوريين اعتذار الشيعة في لبنان.

ردّت المحاضرة ديما صلح،  كاشفة ان ” حزب الله يعتمد لغة عدائية في خطابه السياسي والإعلامي، فالمنابر التابعة له لا تستخدم تسمية «الرئيس أحمد الشرع»، بل تصرّ على توصيفه بـ«الجولاني» و«عصابات الجولاني» وما شابه من تعابير. كما تواصل قناة «المنار» استخدام العبارات نفسها التي تتسم بالإهانة تجاه القيادات السورية الجديدة، وهي لغة لا تؤدي إلا إلى تغذية الكراهية وتعميق شعور المظلومية داخل البيئة الشيعية”.

وتابعت “يبدو أن حزب الله، للأسف، لا يضع سلامة بيئته في مقدمة أولوياته، مع ان  التجربة أثبتت أن الحزب، عندما يقرر تغيير خطابه السياسي، يكون قادرًا على إقناع بيئته وتقديم صورة مختلفة ومغايرة عمّا هو سائد اليوم في مقاربته للواقع السوري الجديد”.

بركات: وعي البيئات في لبنان ما زال طائفياً، فغياب المشروع البديل هو الأساس، لأنه هو الذي يستطيع تقديم الاعتذار والقيام بالمصالحة مع الشعب السوري”.

بركات: غياب البديل الشيعي

مدير تحرير “أساس ميديا” والمنسق العام لمبادرة “نحو الإنقاذ الصحافي محمد بركات، ركّز في مداخلته على “غياب البديل الشيعي عن الثنائي، حتى أصبح هناك قناعة لدى بعض الدوائر الخارجية أن البديل عن حزب الله قد يكون حركة أمل، لذلك فإن مواجهة هذا الملف بغاية الأهمية”.

 وتابع: “إننا نحتاج إلى مشروع شيعي بديل على أعتاب بناء الدولة في لبنان، ومع الأسف فإن وعي البيئات في لبنان ما زال طائفياً، فغياب المشروع البديل هو الأساس، لأنه هو الذي يستطيع تقديم الاعتذار والقيام بالمصالحة مع الشعب السوري”. وخلص الى القول ان “هناك أزمة شيعية حقيقية، وهناك طائفة معرضة للإبادة بسبب مشروع حزب الله”.

بدوره أكد محمود أبو شقرا أن البديل الطائفي لأي مكوّن سيؤدي إلى مزيد من التعصب، داعيًا إلى بديل وطني قائم على تعزيز سلطة القانون، ومتسائلًا عن القدرة على إنتاج مشروع وطني جامع.

كسر الوعاء الطائفي

من جانبه شدد الدكتور حارث سليمان في مداخلة لاحقة على أن الحل لا يكون بتيار مذهبي جديد، بل بالذهاب إلى الوعاء الوطني الذي يفكك عقيدة حزب الله، داعيًا أبناء الشيعة إلى اختيار الحياة والدور الفاعل في الوطن بدل الارتهان للمشاريع الإقليمية.

وأسف ان العقل اللبناني الطائفي غير مقتنع بوجود شيعة لم يولدوا في حركة أمل وحزب الله، واكّد ان ” الوعاء الطائفي يجب أن يكسر، فلا مصالحة مع فكر حزب الله، يجب تفكيك عقيدته وبنيته الفكرية، وإلا ستقتلهم هذه العقيدة وتقتل الشيعة وتبيدهم”.

واختُتمت الندوة بمداخلة الباحث عاصم خليل، الذي شدد على ضرورة العمل الجدي لإنشاء واقع وطني وسياسي جديد يعيد كل الطوائف وكل مكونات الشعب اللبناني إلى الدولة والوطن.

السابق
بالفيديو: انفجار وحريق في جبال الألب السويسرية خلال رأس السنة.. عشرات القتلى و100 جريح
التالي
أمطار غزيرة غدا مع عواصف رعدية.. ماذا عن طقس لبنان نهاية الأسبوع؟