لا يثير تصريح وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، حول دعم بلاده لحماس وحزب الله والجهاد الإسلامي ونظام الأسد “مقابل عدم دعم هذه الأطراف لطهران ولو بطلقة واحدة”، أي استغراب لدى المتابعين للشأن الإيراني. فظريف يتقن فن إثارة الجدل وخطف الأضواء؛ تارةً باستقالة مفاجئة، وتارةً بتصريحات توحي بأن إيران “الخمينية” تقف على أعتاب تحول ديمقراطي جذري.
ظريف واللعبة المزدوجة: إصلاحيون تحت سقف “الولي الفقيه”
هذا السلوك لا يقتصر على ظريف وحده، بل هو سمة التيار “الإصلاحي”؛ من الرئيس الحالي مسعود بزشكيان الرافض لفرض الحجاب، إلى سلفه حسن روحاني الذي نادى بمزيد من الحريات. لكن ظريف، الذي كان رأس حربة الدبلوماسية لثماني سنوات، يختار توقيتاته بدقة. يأتي عتبه اليوم في ذروة أزمة المشروع الإيراني الإقليمي؛ فبعد “طوفان الأقصى” وسقوط نظام الأسد، خسرت طهران دمشق، وتواجه انحساراً متتابعاً في صنعاء وبيروت وغزة وبغداد— تلك العواصم التي تفاخر قاسم سليماني يوماً بأنها باتت تحت نفوذ بلاده.
التخلي عن الوكلاء: تمهيد لتسويات كبرى
يخدم عتب ظريف السياسة الخارجية الإيرانية التي تعاني من “ضمور” في القدرة على المواجهة. فإلقاء اللوم على “الوكلاء” يبدو وكأنه تمهيد رسمي للتخلي عنهم، ضمن صفقة سياسية هادئة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي، تُطبخ على هامش المفاوضات النووية المرتقبة.
إن محاولة فهم العقل الإيراني تفرض علينا الإقرار بأن “الإصلاحي” و”المحافظ” هما شقيقان يتنازعان تحت سقف “الخمينية” ولا يغردان خارج سربها. وفي هذا السياق، يرتبط ذكر بشار الأسد بالضغوط التي تمارسها طهران لتحصيل ديونها من دمشق، في محاولة عنيدة للحفاظ على موضع قدم في سوريا عبر مواربات دبلوماسية مع أنقرة. أما العتب على “حماس والجهاد”، فيعكس حقيقة ما لا تقوله إيران رسمياً: “فلسطين لم تعد تخدم مشروعنا المقبل”، خاصة بعد تذبذب الموقف الإيراني في بداية “الطوفان” بين التبني المبطن والتنصل العلني.
لبنان واليمن: أوراق للتفاوض ومساحات للانتظار
غياب “الحوثيين” عن تصريحات ظريف يفتح الباب أمام احتمالات بيع طهران لخارطة صنعاء للرياض، لا سيما بعد اغتيال هيثم الطبطبائي (أحد أبرز قادة حزب الله في اليمن). في المقابل، يهدف ذكر “حزب الله” إلى وضعه مجدداً في حلقة الانتظار وكسب الوقت، مع الإصرار على عدم نزع السلاح لخلق شرخ في المجتمع اللبناني، خاصة مع تلميحات السفير الأمريكي ميشال عيسى حول مهلة زمنية تنتهي في آذار 2026.
إيران التي تنفي تدخلها في شؤون لبنان، تناقض نفسها اليوم عبر ظريف، مؤكدة تمسكها بالورقة اللبنانية كأداة ضغط أخيرة لتحسين شروط التفاوض الدولي. وبعد فشل معادلة “وحدة الساحات”، يبدو أن طهران تسعى لإشعال جولة قتال جديدة في لبنان، تدمر ما تبقى من هشاشته، فقط لتحمي نفسها من هجوم إسرائيلي محتمل يتزامن مع لقاء ترامب ونتنياهو في واشنطن.
في المحصلة، يظل “الإصلاحي” في إيران مجرد أداة لخدمة السياسة العليا، تماماً كما هو حال التداول بين الديمقراطيين والجمهوريين في أمريكا، مع فارق الجوهر بين النظام العقائدي والرأسمالي.
قد يبدو تصريح ظريف “ظريفاً” وهو يحلم على أنقاض خارطة سياسية مهشمة، لكنه بالتأكيد يجعل العقلية الإيرانية بوزن “خفة لا تُحتمل”.

