حين يغيب الاعتدال: حصرية التمثيل كأثر لضعف الدولة

حزب الله لبنان

لم يعد موضوع السلاح خارج إطار الدولة مجرد سجال سياسي، بل بات عنوانًا لأزمة أعمق تتعلّق بغياب الدولة عن القيام بوظائفها الأساسية. فالمشكلة لم تنشأ لأن قوة مسلّحة أرادت أن تحلّ محل الدولة، بل لأن الدولة نفسها انسحبت تدريجيًا من أدوارها، تاركة فراغًا واسعًا في السياسة والتنمية والخدمات. وهكذا، تحوّل النقاش حول السلاح إلى انعكاس لأزمة أكبر: أزمة انكفاء الدولة.

الفراغ الرسمي وتمثيل الطائفة

فالبيان الأخير الصادر عن حزب الله، والموجّه إلى أركان السلطة، رغم ما أثاره من جدل، جاء ليعكس حجم الفراغ الرسمي داخل الطائفة الشيعية. لم يكن عرضًا للقوة بقدر ما كان مؤشرًا على تراجع الحضور المؤسسي للدولة، الأمر الذي أوجد مساحة لأي جهة منظّمة، مسلّحة أو غير مسلّحة، لتتقدّم وتتحدث باسم فئات واسعة.

وهذا الواقع لم ينشأ فجأة، بل تراكم بفعل سنوات طويلة من إدارة الدولة لهذه البيئة عبر “قناة واحدة”، بدل بناء علاقة مباشرة وشاملة مع المواطنين.

الدولة سقطت أولًا

ليس دقيقًا القول إن التمدّد المسلّح جاء نتيجة قرار أحادي أو رغبة في الهيمنة. الأصح أن هذا الواقع نشأ لأن الدولة تخلّت عن مسؤولياتها:

غابت عن التنمية في الجنوب والبقاع وغيرهما.

تراجعت مؤسساتها الخدماتية والتعليمية.

أُهملت سياسات الرعاية الاجتماعية والثقافية.

تُرك المواطن يبحث عن بدائل خارج الدولة.

في أماكن تُغيّب فيها الدولة نفسها، تنشأ بطبيعتها قوى محلية، بعضها خدماتي، وبعضها اجتماعي، وبعضها مسلّح، لتملأ الفراغ. وهذه ليست خصوصية لبنانية، بل قاعدة اجتماعية وسياسية معروفة: حين تتراجع الدولة، تتقدّم قوى الأمر الواقع.

الاعتدال الشيعي: الصوت الذي أُضعف لا الذي اختفى

أحد أبرز مظاهر تراجع الدولة كان تهميشها للتيار الشيعي المعتدل، الذي مثّل تاريخيًا ركيزة من ركائز بناء الدولة اللبنانية. هذا الاعتدال، الذي شارك في تأسيس الإدارة الحديثة وكان جزءًا من التوجّه الوطني، لم يتلقَّ الحد الأدنى من الدعم السياسي أو المؤسسي.

فالدولة لم توفّر له منصّات أو مؤسسات تعزّز حضوره في الإدارة، ولم تحمه في مواجهة الاحتكار السياسي، وتعاملت مع الطائفة وكأنها كتلة واحدة ذات ممثّل واحد، بدل الاعتراف بتعدّدية الرأي داخلها.

غياب الاعتدال داخل الطائفة لا يُنتج فقط خللًا سياسيًا، بل ينعكس بأمراض على الوطن كلّه، إذ يفقد النظام توازنه، وتصبح أي طائفة مهدّدة بالانزلاق نحو صوت واحد، بدل أن تكون مساحة للتنوّع.

منطق الوكالة الحصرية… حين تتحوّل القوة إلى تمثيل

غالبًا ما يُقال إن النظام اللبناني قائم على “الوكيل الحصري” لكل طائفة. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. ففي معظم الطوائف اللبنانية تتعايش زعامات متعدّدة، والأقوى بينها هو الذي يفرض حضوره بحسب الظروف السياسية والاجتماعية.

أي أن النموذج الفعلي يقوم على منطق الأقوى داخل الطائفة، لا على زعامة واحدة ثابتة أو محجوزة. لكن الحالة الشيعية تختلف بفعل تراكمات خاصة. فمع تراجع الدولة وتراجع الاعتدال داخل الطائفة، تحوّل النفوذ الأقوى إلى حصرية تمثيل شبه كاملة.

استطاع الحزب، مستندًا إلى تنظيم واسع وشبكات اجتماعية ومؤسسات رديفة، أن يملأ الفراغ الذي تركته الدولة. وبمرور الوقت، لم يقتصر هذا النفوذ على السياسة، بل امتد ليشمل الخدمات والاجتماع والثقافة والإدارة، ما جعله المرجعية الأساسية لشريحة كبيرة من المواطنين.

المشكلة هنا ليست في وجود حزب قوي، فهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية، بل في أن الدولة سمحت بأن تتحوّل القوة إلى احتكار تمثيل، بحيث غابت التعدّدية داخل الطائفة، وحلّ الصوت الواحد مكان الأصوات المتنوّعة التي كانت جزءًا من تاريخها السياسي.

حين تترك الدولة مواطنيها… تصبح القوى المحلية بديلًا عنها

المسألة ليست مسألة طائفة أو حزب، بل مسألة دولة. حين لا يجد المواطن إدارة رسمية ترعاه، أو مؤسسة تحميه، أو شبكة اجتماعية تحتضنه، سيتّجه تلقائيًا إلى الجهة الأكثر قدرة على تقديم الخدمات أو الاستقرار، سواء كانت حزبًا سياسيًا، جمعية أهلية، أو قوة أمنية محلية.

وهذا ما حصل في عدّة مناطق لبنانية، وليس فقط في البيئة الشيعية. فالقوى المسلّحة التي ظهرت في لبنان، بما فيها حزب الله، لم تكن ظاهرة معزولة عن الواقع، بل نتيجة مباشرة لضعف الدولة وتراجع مؤسساتها، تمامًا كما حصل مع قوى أخرى ظهرت في الحرب اللبنانية وما بعدها.

الطريق إلى استعادة الدولة

استعادة السيادة لا تبدأ من السلاح، بل من استعادة الدولة لحقّها في تمثيل مواطنيها. والمدخل المركزي لذلك هو إعادة بناء علاقة صحيحة مع الاعتدال الشيعي، بوصفه شريكًا طبيعيًا في مشروع الدولة.

وهذا يتطلّب تمكينه داخل المؤسسات، وتوفير حماية سياسية وإعلامية، وخلق بيئة تنموية تقلّل من اعتماد الناس على البدائل، وتكريس رؤية وطنية تفصل بين الطائفة وبين أي قوة محلية.

إن البيان الأخير ليس استفزازًا بقدر ما هو انعكاس لحقيقة مؤلمة: الدولة تراجعت عن مسؤولياتها، فقامت قوى أخرى، مسلّحة وغير مسلّحة، بملء الفراغ. وحين تستعيد الدولة دورها، يتغيّر ميزان القوى تلقائيًا.

أما الاكتفاء بالشكوى من “حصرية التمثيل” أو “حصرية السلاح” من دون معالجة جذور المشكلة، فلن يؤدّي إلا إلى تكرار الأزمة. فلا جهة تستطيع احتكار طائفة ما لم تُفسح لها الدولة المجال، ولا قوة محلية تتمدّد ما لم تتراجع الدولة.

السابق
إيران تصارع تراجع النفوذ الإقليمي نتيجة ازدواجية المعايير الدولية.. الصحف الإيرانية: صمت غامض أمام الانهيار المعيشي
التالي
تعديات الشويفات: نهب منظم للأملاك العامة برعاية سياسية مكشوفة