في السياسة، لا تُقاس الهزائم بعدد الصواريخ ولا بحدة الخطاب، بل باللحظات التي يُجبر فيها من بنى كل هويته على العداء أن يعبر بهدوء إلى أرض خصمه.
زيارة عمّار الموسوي إلى الرياض ليست حدثًا دبلوماسيًا، بل واقعة كاشفة تُضاف إلى سجل طويل من الانكشافات التي حاول الحزب إخفاءها، وفشل.
رجل واحد، بصفة واحدة واضحة، يدخل عاصمة وُضعت لعقود في خانة (العدو)، من دون صورة، من دون بيان، من دون أي محاولة لتبرير ما لا يمكن تبريره. الصمت هنا ليس دبلوماسية، بل اعتراف بليغ بأن الرواية لم تعد صالحة للاستعمال.
سقوط الوظيفة الإقليمية وتآكل السردية
من يراقب المشهد بهدوء يعرف أن هذه الزيارة لم تُصنع في فراغ. فمنذ أيلول ٢٠٢٤ تغيّرت وظائف الساحات واحدة تلو الأخرى. سوريا لم تعد مساحة تشغيل مفتوحة، بل ملفًا يُغلق تدريجيًا (تثبيت داخلي، ضبط حدود، إعادة تموضع عربي محسوب)، وإيران لم تعد قادرة على تغطية كل الفواتير السياسية والمالية.
في هذه البيئة، يفقد حزب الله أهم ما امتلكه من حيث القدرة على فرض السردية بالقوة، والقدرة على تبريرها بالوظيفة الإقليمية. فحين تسقط الوظيفة، يتحول الخطاب إلى عبء، لا إلى أداة.
الرياض، من جهتها، لم تفعل أكثر من إدارة الواقع. لا اعتراف، لا احتضان، لا تغيير في الموقف المبدئي. ما جرى يُقرأ كإجراء ضبط لا كفتح صفحة. فمن يدخل بلا ضجيج لا يخرج بإنجاز.
الرسالة غير المعلنة واضحة: من يملك الزمن لا يحتاج إلى رفع الصوت، ومن يملك أوراق الضغط يترك خصمه يخطو وحده إلى دائرة الانكشاف.
الانكشاف الداخلي: حين يتآكل الخوف والحاجة والقداسة
الأثر الأخطر ليس في الخارج، بل في الداخل. فالبيئة الشيعية، التي حُكمت طويلًا بثلاثية الخوف والحاجة والقداسة، تواجه اليوم فراغًا مزدوجًا: فراغًا اقتصاديًا وفراغًا سرديًا. الخوف تآكل مع تراجع الهيبة، الحاجة انفجرت مع الانهيار المالي، والقداسة تكسّرت في سوريا حيث سقطت كل الروايات الجميلة تحت ثقل الوقائع.
في هذا الفراغ، تظهر الأسئلة القاتلة التي لا تُجاب بخطاب: إذا كان العدو يُزار، فلماذا كانت الكراهية؟ إذا كانت العزلة خيارًا، فلماذا البحث عن كسرها؟ وإذا كان السلاح خلاصًا، فلماذا هذا الانكشاف؟
يفقد حزب الله أهم ما امتلكه من حيث القدرة على فرض السردية بالقوة، والقدرة على تبريرها بالوظيفة الإقليمية. فحين تسقط الوظيفة، يتحول الخطاب إلى عبء، لا إلى أداة.
الحزب الذي اتهم الجميع بالعمالة، وجد نفسه مضطرًا إلى ما يشبه التكيّف الصامت مع واقع كان يلعنه علنًا.
الحزب الذي بنى صورته على الاكتفاء الذاتي، اكتشف أن العزلة لا تطعم ولا تحمي ولا تدير مجتمعات. هنا تتحول كل الشعارات القديمة إلى مادة سخرية سوداء: (العزة) التي تحتاج إلى وساطة، (الكرامة) التي تُدار في الغرف المغلقة، و(المقاومة) التي تنتهي بإدارة خسائر لا بإدارة انتصارات.
زيارة لكسب الوقت… لكنها تُسرّع السقوط
الحرب السورية، التي قُدّمت كضرورة وجودية، لم تعد ذريعة، بل عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا. والمشاركة التي بُرّرت باسم الحماية أنتجت قطيعة عميقة مع المحيط العربي، واستنزفت البيئة الشيعية بشريًا ومعنويًا. ومع تغيّر وظيفة الساحة السورية، يتحول هذا الإرث إلى عبء داخلي يسرّع تآكل الشرعية، ولا يمكن إعادة تدوير الخطاب نفسه حين تغيّر الأصل الذي استند إليه.
من يقرأ الوقائع ببرودة يدرك أن زيارة الموسوي ليست مبادرة، بل إجراء احترازي في مرحلة تقليص خيارات. هي محاولة لشراء وقت، لا لفتح أفق. لكنها، من باب المفارقة، تُسرّع الانكشاف بدل أن تؤجله، لأنها تضرب في صميم الرواية التي بُنيت على العداء المطلق. فالروايات الكبرى لا تسقط بخطاب مضاد، بل بثغرة واحدة لا تُسدّ. وهذه الزيارة هي تلك الثغرة.
نقطة اللاعودة سُجّلت، وبعد اليوم، كل خطاب عن العداء المطلق سيكون موضع تشكيك، وكل تخوين للعرب سيُقابَل بسؤال بسيط لا جواب له: لماذا ذهبتم إذًا؟
هذا السؤال، في السياسة، أخطر من أي بيان، لأنه لا يحتاج إلى إثبات. فالواقعة نفسها هي الدليل.
ما سقط ليس شخصًا ولا زيارة، بل نموذج حكم قائم على العسكرة والتعبئة والعزل. الحزب لم يغيّر قناعاته، لكنه فقد قدرته على فرضها. والبيئة الشيعية، التي استُخدمت طويلًا كدرع وكذريعة، تُترك اليوم أمام واقع جديد يلزمها إعادة تعريف موقعها خارج القفص الذي صُنع لها باسم الحماية.
زيارة الموسوي ليست مبادرة، بل إجراء احترازي في مرحلة تقليص خيارات. هي محاولة لشراء وقت، لا لفتح أفق.
عمّار الموسوي في الرياض ليس تفصيلًا عابرًا، بل علامة على نهاية مرحلة. مرحلة عاش فيها مشروع كامل على الصراخ، واكتشف متأخرًا أن العالم لا يسمع إلا الوقائع.
وفي السياسة، حين تتحول الشعارات إلى عبء، لا يبقى سوى إدارة الانحدار. وهذا، بحد ذاته، أقسى اعتراف يمكن أن يقدّمه مشروع ادّعى يومًا أنه لا يعترف.

