سايكس-بيكو وسوريا يطيحان بالقرار اللبناني: مفاوضات بلا دولة وحدود بلا سيادة

ديما صلح

لم تعد مقاربة واشنطن نحو لبنان قائمة على لعبة الدبلوماسية الكلاسيكية، إنها تُدار اليوم بعقل بارد يرى الفراغ قبل الدولة، ويقرأ الخطر قبل السيادة. بالنسبة للإدارة الأميركية، لبنان تحوّل إلى مساحة لم تعد تمتلك القدرة على حماية حدودها أو صناعة قرار مركزي، ولذا كان لا بدّ من هندسة أدوات جديدة (مربعات اقتصادية-أمنية، ترتيبات ميدانية، وميكانيزمات مراقبة)، تُبنى كلّها فوق أرضٍ تغيب عنها الدولة، ويحضر فيها السلاح الذي لا يخضع لها.

هذه البراغماتية الأميركية، التي تمثلها عقلية تقنية كعقل مورغان أوروتاغوس في مسار التفاوض، لا تنطلق من إلغاء السيادة، بل من التعامل مع واقع تقول فيه واشنطن: “لبنان لا يدير حدوده، فلماذا نترك فراغًا تملؤه إسرائيل؟” ومن هنا، تُطرح حلول تشبه المختبرات السياسية (دمج الأمن بالاقتصاد لتقليص القلق الإسرائيلي، وضبط الميدان قبل أن ينهار بالكامل، وانتزاع إدارة الأزمة من يد دولة عاجزة عن إدارة نفسها).

فرصة الترسيم الضائعة مع سوريا

وسط هذا المشهد، لا بدّ من الإشارة إلى الفرصة التي سنحت للبنان لترسيم حدوده مع سوريا عبر المبادرة الفرنسية، التي قدّمت إطارًا واضحًا مدعومًا بالخرائط والوثائق لتثبيت الخطوط وضبط التوازن الداخلي. لكن غياب القرار السياسي الموحّد وحسابات الزعامات الداخلية أسقط تلك الفرصة، وجعل لبنان يمرّ بنفس دورة الفراغ والتأجيل التي تتكرر في كل ملف حدودي أو أمني، ما يوضح كيف يظل لبنان دائمًا (ملفًا) أكثر من كونه طرفًا فاعلًا.

ارتجاج سياسي بعد تصريحات براك

وسط هذا المشهد الإقليمي، أطلقت تصريحات توماس براك حول اتفاقية سايكس-بيكو وغيرها، فيما يخص جمع لبنان وسوريا، موجة ارتجاج سياسي، فكأنه يعني أن الحدود التي رسمتها الاتفاقية لم تعد ذات معنى، وأن السياسات الغربية القديمة ارتدت على صانعيها، وأن المنطقة تدخل مرحلة إعادة ترتيب الإرث التاريخي لتلك الخرائط بطريقة أكثر استقرارًا، مع تحذير صريح بأن لبنان لا يملك القرار المركزي الكامل، وأي تسوية ستكون قابلة للاهتزاز وإعادة النظر.

هذا الكلام ببساطته اللغوية ومعناه العميق انفجر في عين التينة، حيث اعتبره نبيه برّي تجاوزًا لا يُقبل، ومحاولة مسًّا بهوية الدولة وحدودها، لأن أي حديث عن صياغة (جديدة) للبنان يعني عمليًا القفز فوق السلطة الشرعية نفسها، في لحظة تعاني فيها تلك السلطة من تآكل قدرتها على التحرّك.

لجنة “الميكانيزم” وفوضى القرار اللبناني

ولا بدّ في هذا السياق من العودة لموضوع تعيين سيمون كرم في لجنة (الميكانيزم). فظاهريًا بدا القرار خطوة لبنانية لإعادة استعادة دور الدولة في هندسة التفاوض، وإدخال عناصر مدنية قد يُعد تطورًا، لكنه بلا قرار سياسي موحّد، بلا خطوط حمراء واضحة، ولا إطار يعرف من يفاوض ومن يمثّل من. فالدولة المشرذمة إلى ثلاث رئاسات وثلاث مقاربات تقف اليوم أمام وفد يريد التفاوض، وحزب يحدد السقف، وحكومة محشورة بين ضغط خارجي وإملاءات داخلية، وبرلمان لا يتحرك إلا بحسابات الزعامات.

أطلقت تصريحات توماس براك حول اتفاقية سايكس-بيكو وغيرها، فيما يخص جمع لبنان وسوريا، موجة ارتجاج سياسي، فكأنه يعني أن الحدود التي رسمتها الاتفاقية لم تعد ذات معنى،

داخل هذه الفوضى، يجري الأميركيون مقاربتهم كأنهم يرسمون خريطة طارئة فوق خريطة قديمة. فلو كان لبنان قادرًا على تنفيذ قراره بنزع السلاح غير الشرعي، وتمكين الجيش من الإمساك بالحدود، ولو كان القرار السياسي موحّدًا، لسقطت كل هذه البدائل الأميركية. لكن واشنطن ترى أن إسرائيل ستظل تتوجّس، وأن أي منطقة يسيطر عليها نفوذ حزب الله تتحول تلقائيًا إلى ذريعة لعرقلة العودة أو لتوسيع شروط التفاوض. لذلك جاء الحل الأميركي بترتيبات اقتصادية-أمنية لا تلغي حق الأهالي بالعودة، لكنها تضع لبنان في دائرة (الإدارة الخارجية) بدل الإدارة الذاتية.

دولة مشلولة وحزب مسيطر وقرار يُصنع في الخارج

في المقابل، تتصرف إسرائيل بوضوح: فالتفاوض وسيلة لتثبيت مكاسب ميدانية، والغارات العسكرية أداة لفرض سقف لا يُخترق. الرسالة واضحة: الأمن أولًا… وكل شيء آخر يُبحث لاحقًا.

أما الداخل اللبناني، فلوحة من الخراب الإداري. فبينما الجنوب يحتاج مليارات، تقوم لجنة المال بنقاش مبلغ 200 مليون دولار لإعادة الإعمار. الإعمار نفسه أصبح شعارًا بلا ميزانية، والميزانية بلا دولة، والدولة بلا سلطات قادرة، وكل دولار يدخل الصندوق العام يتحول خطرًا لأنه قد يصبح غنيمة لا مشروعًا.

وفي قلب هذا المشهد، يقف حزب الله كقوة غير شرعية وحيدة تمتلك القدرة على تعطيل أو فرض أو تعديل أي مسار. ليس فصيلًا داخليًا فحسب، بل لاعبًا إقليميًا يملك مفتاح الميدان. وبين (سلبطة) الحزب وضعف الدولة، يولد الفراغ الذي يقتحم من خلاله الخارج، ويُعاد عبره ترتيب الطاولة، فيما اللبناني نفسه لا يملك سوى مراقبة مسار يمر فوق رأسه.

بلد يعاد التفاوض عليه

إنّ المعضلة ليست في سيمون كرم ولا غيره، بل في غياب الدولة التي تقرر ما يمكنه وما لا يمكنه فعله. ومع غياب الإطار الوطني، يتصلّب الإسرائيلي، ويكثر الأميركي من الاقتراحات، ويبقى لبنان صامتًا بلا مظلة تحمي الأرض والناس.

يقف حزب الله كقوة غير شرعية وحيدة تمتلك القدرة على تعطيل أو فرض أو تعديل أي مسار. ليس فصيلًا داخليًا فحسب، بل لاعبًا إقليميًا يملك مفتاح الميدان. وبين (سلبطة) الحزب وضعف الدولة

لذلك، يدخل لبنان اليوم أخطر مرحلة منذ اتفاق الطائف: تفاوض بلا دولة، سيادة تتآكل، حدود قد تُعاد هندستها، ونظام سياسي يتعامل مع الحق الوطني كما لو كان بندًا تفاوضيًا داخليًا.

لبنان ليس بلدًا فاقد الأفق فقط، إنه بلد يُعاد التفاوض عليه، بلد يجلس على الطاولة لا كشريك، بل كملف، بلد تُكتب جغرافيته السياسية فيما هو مشغول بصراع السلطات ومسايرة الميليشيات.

ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة ولا مفاوضات تقنية، إنه لحظة يُعاد فيها اختبار معنى الدولة اللبنانية نفسها: هل هي قادرة على أن تكون طرفًا، أم أنها ستبقى ساحة تُدار من الخارج؟

السابق
الجمعية اللبنانية لبناء السلام والتنمية المستدامة تشارك في الملتقى الحواري الثالث للجمعيات الاهلية في العالم
التالي
الرئيس عون: تصريحات براك الأخيرة مرفوضة.. هناك أصوات لبنانية بأميركا تحرض على عدم مساعدة الجيش