الصفعة التاريخية.. نهاية عهد النفوذ الاحادي و بزوغ لبنان المسيحي من الرماد

زيارة البابا الى لبنان

في اللحظة التي ظنّ فيها الجميع أن لبنان قد غرق في زمن القوة الوحيدة، وأن الخراب أصبح قدرًا محتومًا، ظهر حدث لم يأتِ كتقليد ديني، بل كزلزال سياسي رمزي.

زيارة البابا إلى بيروت لم تكن مجرّد بروتوكول، ولم تحمل صدى صلاة أو تحية رسمية فحسب بل جاءت لتقلب المعادلات السياسية التي اعتاد اللبنانيون العيش تحت وطأتها لعقود، لتعلن بلا مواربة نهاية عهد النفوذ الأحادي الذي حكم البلاد لعقود وتفتح نافذة عميقة على إعادة تعريف دور الدولة، المسيحيين، والمجتمع كله.

لم تكن زيارة البابا إلى لبنان حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا محطة روحية عادية في بلد اعتاد الرمزية أكثر مما اعتاد الحلول بل جاءت في توقيت يشبه مفترق الأنظمة، لحظة ينشقّ فيها الزمن السياسي إلى ما قبل وما بعد، وتتأرجح فيها الكيانات بين ما كان يفترض أن تكون عليه وما تحوّلت إليه.

قدوم البابا وسط حرب مشتعلة على الحدود وفي قلب انقسام داخلي يلتهم بقايا الدولة، أعاد طرح سؤال تجنّبه اللبنانيون طويلا: من يملك حق صياغة مستقبل لبنان؟

بدا وكأن البابا، من دون أن يقول الكثير، يعلن نهاية زمن كامل أكثر مما يبارك بداية عهد جديد، وكأن بيروت لا تستقبل ضيفًا، بل تستقبل نفسها، تُفكّك مرآتها وتعيد تركيبها من الصفر.

سؤال تجنبه اللبنانيون طويلاً

لبنان الذي عاش تحت سطوة فائض القوة، وانحراف مؤسسات الدولة لصالح منظومة سياسية واحدة، خرج من ظل هذه المرحلة وهو أكثر هشاشة من أي وقت مضى، مع انهيار اقتصادي يهدد الحياة اليومية، وانقسام داخلي يلتهم ما تبقى من الدولة، وانهيار التوازن السياسي الذي كان يحمي صورة البلد في الخارج، جاء قدوم البابا ليعيد للرؤية الوطنية بُعدها الأصلي.

إقرأ أيضا: البابا يلتقي رؤساء الطوائف الإسلامية في السفارة البابوية ويختتم زيارته اليوم بالقداس الإلهي على الواجهة البحرية لبيروت

بدا وكأن البابا، من دون أن يقول الكثير، يعلن نهاية زمن كامل أكثر مما يبارك بداية عهد جديد، وكأن بيروت لا تستقبل ضيفًا، بل تستقبل نفسها، تُفكّك مرآتها وتعيد تركيبها من الصفر.

لم يكن الرجل مجرد ضيف، بل كان رمزًا لرسالة أوسع مفادها ان لبنان لا يمكن أن يُبنى على فرضية القوة الأحادية، ولا يمكن أن يستمر على قاعدة هيمنة طرف على قرار الدولة، مهما علا شأنه داخليًا أو إقليميًا.

قدوم البابا وسط حرب مشتعلة على الحدود وفي قلب انقسام داخلي يلتهم بقايا الدولة، أعاد طرح سؤال تجنّبه اللبنانيون طويلا: من يملك حق صياغة مستقبل لبنان؟

الزيارة لم تُجِب، لكنها أزاحت الغبار عن المعادلة الحقيقية فلا مستقبل يُكتب بفائض قوة، ولا دولة تُبنى في غياب التوازن الذي وُلد منه لبنان أصلًا.

في تلك اللحظة، بدا واضحًا أن الزيارة ليست دعوة للصلاة فقط، بل دعوة لإعادة كتابة قواعد اللعبة التي بقيت لسنوات محجوبة خلف واقعٍ أُجبر اللبنانيون على التعايش معه.

الرسالة لم تُقل بوضوح، لكنها فُهمت بوضوح أكبر فلم يُعلَن انتصار طرف على آخر لكن الزيارة أعادت رسم حدود الفكرة التي انبنى عليها لبنان، بلد يقوم على ثنائية متوازنة، لا على أحادية تفرض تعريفها الخاص للوطن.

الشراكة لا الأحادية

البلد الذي صاغه تاريخ التوازن المسيحي الإسلامي، والذي كان مسيحيًا في رسالته وإسلاميًا في عمقه، لا يمكن أن يستمر حين يُختزل دوره بإملاء محور، أو حين تتحول الدولة إلى تفصيل في معادلات خارجية.

بدا واضحًا أن الزيارة ليست دعوة للصلاة فقط، بل دعوة لإعادة كتابة قواعد اللعبة التي بقيت لسنوات محجوبة خلف واقعٍ أُجبر اللبنانيون على التعايش معه

وهنا تحديدًا ظهر البعد المسيحي للزيارة ليس بوصفه امتيازًا مفقودًا، بل بصفته دورًا تاريخيًا حاولت السنوات الأخيرة مصادرته. الزيارة أعادت للمكوّن المسيحي مكانته كمحرّك أول لفكرة الدولة، لا كأقلية تبحث عن مقعد في طاولة الآخرين.

أعادت المسيحي إلى دوره المؤسّس لا التزييني، وإلى موقع الشريك الذي لا يُستبدل ولا يُلغى مهما تغيّرت الظروف.

ومثلما أعادت المسيحي إلى موقعه الطبيعي، أعادت المسلم إلى دوره الأصلي ،شريكًا كاملًا لا ذراعًا ملحقًا بمعادلة فائض القوة.

إقرأ أيضا: الخطيب يرفع إلى البابا لاوون رسالة حول رؤية الطائفة الشيعية للبنان.. لكبح جماح العدوان الإسرائيلي

مع انكسار الإيقاع السياسي المكرّر، بات واضحًا أن لبنان لن يعود كما كان، وأن الدولة وحدها هي المرجع، لا فائض القوة، ولا امتياز طرف على آخر.

هذه المرحلة الجديدة لن تكون تجميلية، ولن تكون ترقيعية بل إعادة تأسيس، إعادة توزيع النفوذ، وضبط معادلة لم تعد تحتمل تجاوزًا أو استفرادًا.

الزيارة لم تُسقط أحدًا، لكنها أسقطت وهم الاستمرارية، وأعادت التأكيد أن الزمن الذي يتشقّق الآن لن يشبه ما سبقه.

مع انكسار الإيقاع السياسي المكرّر، بات واضحًا أن لبنان لن يعود كما كان، وأن الدولة وحدها هي المرجع، لا فائض القوة، ولا امتياز طرف على آخر

يبدو أن لبنان يقف على مفترق الطريق الأكبر في تاريخه الحديث، الدولة تعود إلى مركزها، المسيحي يستعيد دوره التاريخي، الشراكة تعود إلى معناها الأصلي، والتوازن يصبح قاعدة لا استثناء.

لم تعد الهياكل القديمة صالحة، ولم يعد فائض القوة ضمانًا للاستمرار فمن رحم الخراب، ومن صمت السنوات، سيولد لبنان جديد، ليس كحلم فقط، بل كإمكانية سياسية واجتماعية واقعية، تفتح صفحة تاريخية يكتبها الجميع، حيث يزهر لبنان المسيحي من رماد مرحلة انتهت، وتعلن الصفحة الجديدة بدء عهد يُحتكم فيه إلى الدولة لا السلاح، إلى الشراكة لا الأحادية، إلى التاريخ لا إلى وهم السيطرة.

السابق
توغل إسرائيلي جديد بريف القنيطرة في سوريا.. 16 آلية عسكرية تقيم حاجزاً وتفتش المارة
التالي
البابا لاوون: لنوقظ بداخلنا حلم لبنان الموحّد حیث ینتصر السلام والعدل ویعترف الجميع ببعضھم إخوة وأخوات