هناك بلدان تولد وفي فمها ملعقة فضة، وبلدان تولد وفي ظهرها خنجر.
أوكرانيا ولدت وفي فمها أنصال متقابلة؛ أنياب من الشرق، ومخالب من الغرب، وكأن الجغرافيا لم تكتف بمعاقبتها، بل سلمتها كهدية إلى طغاة الزمن الحديث.
بوتين… القيصر الذي يرى الخرائط قبل البشر
فلاديمير بوتين لا يرى أوكرانيا دولة. يراها سطرا ناقصا في كتاب تاريخ يعتقد أنه كتب لأجله وحده.
في ذهن الرجل، الخرائط كائنات حية يجب “تصحيحها”، والحدود خطوط عشوائية رسمها أشخاص في زمن انهيار الاتحاد السوفييتي. لذلك يمضي بثقة سفاح يعرف ضحيته جيدا… ولا يجد من يردعه فعلا.
بوتين لا يبتسم إلا حين يسمع أصوات الدبابات، ولا ينام مرتاحا إلا حين يعرف أن كييف تستيقظ على صفارات الإنذار.
القصة عنده ليست مجدا روسيا وحسب، بل نزوة رجل وحيد يرفض أن يعترف بأن زمن الإمبراطوريات مات.
ترامب… تاجر الأزمات
ثم يأتي ترامب، ببدلته اللامعة، رجل يستطيع أن يعدك بالدعم في الصباح، ويتركك وحيدا في المساء، كل ذلك وهو يقول: “إنه مجرد عمل… لا شيء شخصي.”
ترامب لا يرى أوكرانيا قضية حق أو ظلم.
يراها شريحة لحم على طاولة مفاوضات: يمكن تقطيعها، تحريكها، رميها إن لزم الأمر، المهم أن يخرج بصفقة تربحها أميركا… أو تربحه هو شخصيا.
وعندما يتحدث عن الحرب، يتحدث بعقلية لاعب يتململ من مباراة طويلة، يريد أن يصفر الحكم بسرعة، حتى لو انتهت النتيجة بخراب دولة وسقوط شعب كامل.
أوروبا… قارة خائفة تكتب بيانا كلما سقطت قذيفة
أما أوروبا، تلك السيدة المسنة التي ترتجف في كل شتاء خشية انقطاع الغاز الروسي، فتمارس هوايتها المفضلة:
تصدر بيانا.
ثم بيانا آخر.
ثم اجتماعا جديدا.
وبين البيان والبيان، يسقط طفل في خاركيف وتتهدم مدرسة في دونيتسك، و اطفال فقدوا الفرح.
أوروبا التي تغنت بالديمقراطية تجد نفسها اليوم أسيرة جغرافيتها وخوفها من دب روسي يزمجر على حدودها.
أوكرانيا… بلد صغير يحاول أن يحب الحياة وسط آلة طحن ضخمة
وسط هذا الصراع، يقف الأوكراني العادي مثل عاشق فقير يصر على البقاء في علاقة تعذبه.
يريد الحرية، يريد الكرامة، يريد البقاء مجرد دولة طبيعية على خريطة العالم.
لكن العالم يطلب منه الصبر، الصمود، التضحية… وكأنه يطلب من طفل أن يوقف عاصفة ثلجية بمظلة.
في كل مرة ينام فيها الأوكراني، يحلم بسلام بسيط:
أن يستيقظ من دون أن يسمع صوت صاروخ، أو خبرا عن قرية اختفت من الخريطة.
سلام عادي، غير بطولي، غير سياسي… فقط سلام.
الرومانسية السياسية: حين يصبح الحلم بالحرية شكلا من أشكال الحب
هناك حب لا يكتب بالشعر بل بالدم.
وحب لا يقال في رسائل الغرام بل في خنادق الحرب.
وما تعيشه أوكرانيا اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل أسطورة حب بين شعب ووطنه، في وجه رجال لا يحبون شيئا إلا السلطة.
فبوتين يحب القوة.
وترامب يحب الصفقات.
وأوروبا تحب الاستقرار.
ولا أحد يحب أوكرانيا… كما يحبها شعبها.
من يحقق العدالة؟
العدالة هنا ليست محكمة دولية.
العدالة أن يتوقف الكبار عن اللعب بالخرائط كأنها أحجية أطفال.
أن يتوقفوا عن استخدام الشعوب كفئران تجارب في مختبرات السياسة.
لكنها عدالة مؤجلة — مثل كل عدالة في هذا العالم — تنتظر أن يتعب الوحوش وأن يمل التجار وأن تخرج أوكرانيا من بين أنياب ومخالب وقد بقي فيها ما يكفي من الروح لتقول: “أنا هنا… ولن أموت بسهولة.”

