هل يمكن لمدينة أن تستيقظ فتكتشف أنّ عملاً فنّياً ضخماً، يزن أكثر من 11 طناً، اختفى من دون أثر؟
هل يمكن لمنحوتة شاهدت ثورة 17 تشرين وانفجار المرفأ وتحوّلت رمزاً بصرياً لبيروت في الإعلام العالمي، أن تُنقل سراً وتُلقى في مخزن للسيارات في الكرنتينا كأنها بضاعة فائضة؟ او جثة مصابة بوباء قاتل؟
نشرت لوريان لوجور مقالاً بعنوان:”التخلّص من منحوتة ”Wall of Hope” لهادي سي، التي أصبحت راية الثورة؟ هذا العنوان وحده يختصر جريمة ثقافية.
فعل الازالة هذا يشير إلى أن العمل لم يُنقل فقط، بل أُزيل بطريقة توحي بأنه “مزعج” أو “غير مرغوب به”. العمل لم يكن مجرد قطعة فنية، كان رمزاً سياسياً لثورة 17 تشرين، وربما هذا أحد اسباب جَعْلْ وجوده غير مريح لعدد من الجهات.
وهذا ليس مشهدا عبثياً من رواية ديستوبيّة كراوية جورج اورويل 1984 مثلاً، بل حدث واقعي في مدينة حقيقية، مدينة تُدعى بيروت.
وعلى ما جاء في مقال لوريان، الفنان بلا حماية في مدينته وفي وطنه. وهذا ما يدركه الفنانون في لبنان منذ سنوات: ان لا حقوق ولا احترام… ولا حدّ أدنى من الاهتمام.
أن نَقْل العمل من الساحة أمام فندق Le Gray يوجّه فكرنا ان الموضوع ليس حدثاً عادياً، لأن العمل كان في مكان رمزي، مرئي، أمام أهم تقاطع شهد الثورة والانفجار. وأما تمثال سمير قصير، وإزالته ليست “لوجستية”، بل محو بصري لذاكرة المدينة.
حصل تجاهل تام للموضوع ما عدا جريدة لوريان لوجور. الفنان نفسه لم يبلّغ.
المدينة، عبر سلطاتها، تبرهن مرة أخرى أنها تتخلّص من ذاكرتها كما تتخلّص من نفاياتها، بل هي تتقاعص احيانا عن التخلص من النفايات وتتركها مرمية بوجهنا.
وهذا يعيدنا الى محاولتهم التخلص من أهراءات بيروت، وكانوا قد بدأوا بهدمها لولا نجاح اللبنانيين في منعهم من ذلك.
لم تكن منحوتة «Wall of Hope» لهادي سي مجرد عمل تجميلي في وسط العاصمة. كانت علامة حضرية وحضارية وامتداداً لوجدان جماعي عاش الناس عبره مرحلة مفصلية: الثورة، المواجهة، الانفجار، ثم السقوط في فراغ الدولة.
ولأنها علامة، كان من الطبيعي أن يثير اختفاؤها الصدمة. لكن الأكثر صدمة هو أن الفنان نفسه — وهو فنان عالمي ومحايد وبعيد عن السياسة في — لم يُبلّغ. اعتراضه أخلاقي: لم يتصل به أحد.
لم يطلب منه رأياً. لم يشرح له أحد لماذا نُقل العمل أو إلى أين!!
هكذا ببساطة: حملت رافعة عملاً فنّياً ضخماً ونقلته كما هو، من دون أي بروتوكول، ومن دون احترام، ومن دون مسؤولية.
هادي قال لي بوضوح:
«لست ضد النقل. لو تحدّثوا معي فقط.»
لكن في بيروت، الحديث ليس جزءاً من الإدارة، والتشارك ليس جزءاً من السياسة، والمدينة تُدار بمنطق:
أزيلوا هذا من هنا. الآن وحالاً و بصمت.
نحن لسنا في عالم حيث السياسة تدير المدينة، la cité، بوصفها جمهوراً، وذاكرة، وممارسة يومية، واحترام متبادل، وتدبير لشؤون العيش المشترك.
وحين تُزال منحوتة عامة من دون إبلاغ صاحبها، ومن دون أي توضيح للرأي العام، فنحن أمام تخريب سياسي لفضاء المدينة، لا مجرد خطأ إداري.
وبرأيي كل عمل فني في الفضاء العام هو فعل سياسي، ليس بمعنى انه يرفع شعاراً، بل لأنه يخلق علاقة بين الناس والمدينة.
إزالته خلسة هي أيضاً فعل سياسي، ليس فقط لأنه خنق للثورة ورغبة بالتخلص مما يذكّر بها، بل لأنه يكرّس أيضاً منطق القوة وغياب الشفافية.
انه منطق الإخفاء والتخلص لا منطق النقل.
وهذه الكلمة وحدها تكفي لتفسير السياسة التي تُدار بها بيروت:
كل ما يذكّر بالذاكرة العامة، يُخفى.
كل ما يشكّل شاهداً بصرياً على المشهد، يُخفى.
كل ما يحمل معنى يتجاوز اللحظة، يُخفى.
انها مدينة تتخلّص من رموزها. بيروت مدينة فقدت علاقتها بنفسها.
تتخلّص من أثر الثورة كما تتخلّص من أثر الانفجار وذاكرته: بالصمت، وبالمستودعات، وبالتجاهل.
ليس لأن العمل السياسي ممنوع، بل لأن الفكر السياسي غائب.
لأن السلطة تحبّ “المدينة الفارغة” — حيث لا ذاكرة ولا رموز ولا أسئلة.
المدينة لا تستقبل بترحاب سوى مواكب المسؤولين بعد ازالة كل العوائق.
ولأن الفن رمز، فهو مزعج.
ولأن الذاكرة تؤلم، فهي تُمحى.
القضية ليست الفنان… بل المدينة
هادي سي لم يطالب بامتياز.
لم يرفع شعاراً.
لم يقدّم نفسه كمتمرّد. بل كفنان يحترم عمله والمدينة التي قدّم لها هديته.
لكن المدينة — أو بالأحرى من يديرونها — لم يبادلوا الاحترام بالاحترام.
وبذلك تحوّلت قصة “جدار الأمل” من قضية فنّية إلى مرآة لأسلوب الحكم في لبنان:
قرارات تُتخذ في الظل،
سلطة بلا تواصل،
إدارة بلا رؤية،
ومدينة تُفرَغ من معناها شيئاً فشيئاً.
الذاكرة ليست ملكاً للإدارة لتتصرف بها كما تريد
منحوتة هادي ليست ملكاً لهم ولا للفنان وحده.
هي جزء من ذاكرة الناس.
وهذا ما يجعل إزالة العمل ليس فقط خطأ إدارياً، بل اعتداء على الذاكرة الجماعية.
وإذا كانت بيروت تتخلّص من رموزها بهذه السهولة، فالسؤال الحقيقي هو:
أي مدينة ستبقى حين تُمحى آثارها، واحدًا بعد الآخر؟

