لا يختلف اثنان على أن قضية حصرية السلاح بيد الدولة هي القضية الأهم التي تواجه لبنان اليوم، خاصة بعد الحرب الأخيرة التي عاشها نتيجة مغامرة حزب الله وإطلاقه حرب الإسناد لغزة، التي خلَّفت نكبة وطنية – بكل معنى الكلمة – وشيعية بشكل خاص، طالت كل مناحي الحياة سواء الأمنية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية، بحيث خسرت الناس حياتها وكرامتها وأرزاقها ولا تزال، بسبب استمرار الحرب من جانب واحد على طريقة “أن من يبدأ الحرب ليس هو من يحدِّد نهايتها”، خاصة في ظل ميزان قوى مختل عسكرياً وأمنياً كما أثبتت التطورات والاستهدافات التي حصلت، بحيث صدق من قال إن التكنولوجيا انتصرت على الإيديولوجيا.
ومع إيماننا بأن حصرية السلاح أولوية وبأن أي إصلاح غير ممكن من دونها، إلا أنه بالمقابل لا يمكن القول بأن حصر السلاح هو الحل لكل مشاكل البلد إذا ما استمرت العقلية السائدة مسيطرة على الساحة السياسية اللبنانية، والتي تمنع أي إصلاح سياسي في النظام الطائفي الذي هو سبب المشاكل والمولِّد لكل الأزمات في البلد.
جذور الأزمة: خلل النظام الطائفي ورفض الإصلاح
فمشكلة السلاح بدأت في جزء كبير منها أصلاً نتيجة خلل في النظام اللبناني الطائفي، الذي رفض القائمون عليه منذ الاستقلال – وهم هنا أقطاب ما كان يُعرف بـ”المارونية السياسية” بكل ملحقاتهم من الطوائف الأخرى – أي بحث أو محاولة للإصلاح، بالرغم من كل المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حصلت على مدى ربع قرن من الزمان منذ الاستقلال وحتى بداية السبعينيات. بل كان الخيار دائماً الذهاب نحو تحالفات خارجية للاستقواء بها في الداخل، ما دفع الطرف المقابل للجوء إلى الأسلوب نفسه للأسف، بحيث دخل لبنان في النفق منذ أكثر من نصف قرن ولم يخرج منه بعد.
مناسبة هذا الحديث هو ما نراه ونسمعه يومياً من خطاب سياسي – طائفي هو أقرب إلى خطاب كراهية بين اللبنانيين بعضهم البعض ولا يمتّ إلى الوطن بصلة. ولا نتحدث هنا عن بعض ما يُكتب في وسائل التواصل من قِبَل أناس عاديين وغير مؤثرين، بل نتحدث عن مسؤولي أحزاب وصحافيين ومحللين ينتمون إلى محاور مختلفة في السياسة، يساعدهم “إعلام” أبعد ما يكون عن مهنة الإعلام بما هي مهنة تعليمية وتثقيفية، الأمر الذي يضع البلد على فوهة بركان دائم ينتظر فقط الوقت المناسب للانفجار.
غياب المراجعة الذاتية واستعادة أخطاء الماضي
هذا الخطاب إن دلّ على شيء فإنه يدل – فضلاً عن الغباء السياسي – على أن الطقم الحاكم والمتحكم في لبنان بكل أطيافه لم يتعظ بعد من تجارب مائة عام من التبعية للخارج، قضى نصفها في حروب ولا يزال. بحيث لم نرَ أي محاولة مراجعة للذات أو نقد للتجارب التي خاضها اللبنانيون أقله منذ بداية الحرب الأهلية، باستثناء ما قاله الراحل محسن إبراهيم في ذكرى رحيل توأمه جورج حاوي، بما معناه أن الحركة الوطنية اللبنانية استسهلت ركوب الحرب وحمَّلت لبنان في موضوع فلسطين والعروبة أكثر مما يطيق. وهو بالضبط ما قاله في مقابلة تلفزيونية مؤخراً رئيس الحكومة نواف سلام.
لكن المؤسف والغريب أن الرد على مثل هذه المراجعات – على محدوديتها – يكون دائماً بالاجتزاء، كما حصل مؤخراً مع تصريح رئيس الحكومة، لمحاولة إثبات أن هؤلاء إنما يَتلون فعل الندامة بما يعني أن الطرف الآخر كان على صواب في كل خياراته، وهذا بالطبع غير صحيح على الإطلاق. وذلك بدل اللجوء إلى مراجعة مماثلة، ليس فقط في موضوع العروبة وفلسطين، بل بطريقة التعاطي مع الآخر في الوطن، وهي الطريقة التي يبدو أنها عادت لتدغدغ أحلام البعض ويسعى لاستعادتها اليوم.
استثمار الهزائم والطائفية كأداة سياسية
وهذا يحصل خاصة في ظل الظروف الإقليمية التي يرى هذا البعض أنها في مصلحته، بالرغم من أن البلد يتهدده خطر وجودي من كل الجهات. الأمر يذكّر بفترة ما بعد هزيمة العرب في حرب 1967 حينما حاول أسلاف هذا البعض يومها الاستثمار في هذه الهزيمة في الداخل اللبناني بمواجهة خصومهم، فكان ما كان حتى وصلنا إلى الحرب الأهلية.
هكذا يحاول البعض اليوم الاستثمار سواء بهزيمة حزب الله بما يمثّل لدى الشيعة – شئنا أم أبينا – من جهة، أو بالتخبط الذي يعيشه المكوّن السني بغياب رأسه من جهة أخرى، بحيث يطلق العنان للخطاب الطائفي الاستفزازي بوجه الآخرين في الوطن بدل الخطاب الوطني الجامع. وهو ما يتلقفه خصومه بالترحاب ليستثمروا به هم أيضاً في بيئتهم، في تقاطع مصالح يدفع ثمنه الناس العاديون.
فيتلطى هو وراء مطلب حصرية السلاح باسم السيادة ليتهرب من بقية الاستحقاقات المطلوبة للإصلاح، فيما يتلطى الطرف الآخر وراء المظلومية ويطرح الإصلاحات ليتهرب من تنفيذ حصرية السلاح، فيما البلد ينزلق يوماً بعد آخر إلى ما لا تُحمد عقباه.
القوانين الثلاثة الضرورية لبناء دولة حديثة
إن حصرية السلاح بيد الدولة – إن حصلت – ليست كافية وحدها لوضع لبنان على السكة الصحيحة، إن لم يواكبها ثلاثة قوانين على الأقل، وهي قوانين مترابطة ومكملة لبعضها البعض، وهي المدخل لبناء دولة القانون والمؤسسات:
1. قانون جديد للأحزاب
يرذل الأحزاب الطائفية والدينية ويستبدلها بأحزاب قائمة على أسس وطنية تضم أعضاء من مختلف أطياف المجتمع، ويلحظ طريقة تمويلها.
2. قانون انتخابات عادل وواضح
يتيح فرصاً متساوية للجميع من حيث التمويل، ويعتمد النسبية كي يتيح أوسع تمثيل للأحزاب الوطنية، مع إمكانية الحفاظ على المناصفة بانتظار الانتقال إلى قانون خارج القيد الطائفي مع إنشاء مجلس شيوخ يراعي مصالح الطوائف وخصوصيتها.
3. قانون عصري ووطني للإعلام
يكون تحت سقف الوطن لا الطائفة أو الحزب، ويراعي أعلى معايير المهنية والاختصاص، وينطبق عليه ما ينطبق على قانون الأحزاب كما قانون الانتخابات لناحية شفافية التمويل.
هذه القوانين الثلاثة هي أساس العمل السياسي السليم إذا كنا فعلاً نريد بناء دولة عصرية طبيعية كغيرها من دول العالم. وإلا فإننا سنبقى نجترّ مشاكلنا لمئة سنة مقبلة عبر حروب نخوضها مرة كل عشرين سنة، مع تغيير فقط في الأسماء والظروف والملابسات، كما مرت المئة سنة الأولى على قيام “لبنان الكبير”. وبذلك ينطبق علينا وبحق قول ألبرت آينشتاين:
“من الغباء أن تفعل الشيء نفسه مرتين بالطريقة نفسها وتنتظر نتائج مختلفة.”

