لبنان اليوم ليس مجرد دولة على شفا أزمة، بل مختبر استراتيجي إقليمي يُعاد هندسته على نار هادئة، حيث تُعاد كتابة سيادته ورسم موقعه في الشرق الأوسط من دون أن يُسأل أحد من مواطنيه.
ما يجري ليس صراعًا داخليًا على السلطة أو مجرد حركة سياسية لحماية الدولة، بل عملية تفكيك دقيقة لطَيف النفوذ الإيراني الذي تراكم على مدار أربعة عقود، وتحويل لبنان إلى منصة لإعادة التوازن الإقليمي تحت إشراف قوى كبرى.
لبنان قطعة شطرنج
منذ صعود جوزيف عون إلى الرئاسة، صار لبنان قطعة على رقعة شطرنج دولية تمسك بها واشنطن وطهران والرياض وتل أبيب. الانتخابات لم تُنتج رئيسًا، بل فتحت الباب أمام صفقة القرن اللبنانية، سلاح حزب الله لم يعد أداة مقاومة، بل أصبح عملة صامتة في بازار دولي يُباع فيه كل شيء، من السيادة إلى مفاتيح القرار بندًا بندًا، فيما يُعاد تفكيك ظلّ الفقيه على دفعات محسوبة.
الغرب، من خلال دعم الجيش وخطط إعادة الإعمار، لا يريد لبنان حرًا، بل لبنان مُدارًا،
الجيش يُقوى بما يحدّ من حركة الحزب ويضعف بما يحافظ على حاجته للعواصم الكبرى، والحكومة تجلس على كرسي السلطة بينما مفاتيح القرار الفعلية خارج الحدود.
وسلاح الحزب لم يعد تهديدًا محليًا فحسب، بل أصبح أداة مساومة دولية فكل صاروخ ورقة تفاوض، كل رصاصة بندًا في ميزان المفاوضات الأميركي–الإيراني–الخليجي–الإسرائيلي، وكل جبهة جزءًا من صفقة أكبر لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة. إيران، بدورها، لا تدافع بل توازن، فكلما غرق لبنان أكثر، ازدادت قيمة حزب الله كورقة استراتيجية جاهزة للاستخدام، منصة ضغط على الخليج وأوروبا وإسرائيل، وجبهة تُفتح وتُغلق وفق مصالح طهران.
مرونتها في ملف السلاح وهمية، تهدف لضمان بقاء شبكاتها المالية والأمنية داخل الدولة حتى مع تقلص النفوذ العسكري للحزب.
إنه التراجع المخطط، وليس الهزيمة، تحرّك محسوب لتأمين مصالحها بأقل كلفة ممكنة.
في المقابل، تتحرك القوى الدولية وفق منطق هندسة استراتيجية مفادها أن لبنان ليس هدفًا بحد ذاته، بل أداة لإعادة رسم الشرق الأوسط.
يُعاد تشكيل الدولة لتكون نصف دولة، نصف سيادتها داخلي ونصف قرارها خارجي، ودعم الجيش ليس تمكينًا بل ضبط، وضعف مؤسسات الدولة ليس صدفة بل أداة لضمان عدم عودة الحزب أو إيران بالقوة نفسها.
إن تفكيك حزب الله اليوم أكثر من مجرد نزع سلاح، هو تفكيك النفوذ الإيراني في مفاصل الدولة، إعادة كتابة مكان لبنان في الاستراتيجية الأميركية–العربية، وإعادة تعريف العلاقة بين الشرق والغرب في المشرق.
الانتخابات لم تُنتج رئيسًا، بل فتحت الباب أمام صفقة القرن اللبنانية، سلاح حزب الله لم يعد أداة مقاومة، بل أصبح عملة صامتة في بازار دولي يُباع فيه كل شيء
البيع في بازار السلاح
كُثُر من اللبنانيين اليوم يصفقون لخطاب استعادة الدولة وهذا حقهم المشروع، لكن الحقيقة أن الدولة تُباع قطعة قطعة في بازار دولي، والسلاح الذي كان رمز سيادتها أصبح أداة ابتزاز.
لبنان على شفا ولادة جديدة، لكنه قد يولد مُفرغًا من السيادة، معاد التركيب ليكون جزءًا من معادلة إقليمية كبرى لا تعرف الرحمة.
الحدث في لبنان يشبه ما حدث في العراق بعد سقوط صدام حسين عام ٢٠٠٣ وسوريا بعد عام ٢٠١١. هناك، تم تفكيك الجيش والمؤسسات التقليدية وإعادة تشكيل الدولة وفق مصالح خارجية، مع السيطرة على الموارد الاقتصادية والسياسية لضمان استمرار النفوذ.
لبنان اليوم يمر بنفس هندسة النفوذ (مثل العراق) لكن بأدوات أكثر دقة وغطاء سياسي أكثر براعة، مستثمرًا سلاح الحزب كورقة مساومة دولية بدل أداة مقاومة وطنية. الاقتصاد اللبناني أصبح رهينة للمفاوضات الدولية، حيث تُستخدم المساعدات وإعادة الإعمار كأدوات ضغط، والسياسة الداخلية تتحرك ضمن سقوف محددة، والمجتمع يواجه أزمة شرعية مزدوجة بين السلطة الفعلية والواجهة القانونية للدولة.
حين يسقط ظلّ الفقيه بالكامل، لن يكون لبنان حرًا فحسب بل سيصبح منصة لإعادة توزيع النفوذ، مكانًا يُدار من عواصم بعيدة وورقة أساسية في الحسابات الاستراتيجية للشرق الأوسط لعقود قادمة.
حزب الله قد ينهار عسكريًا، لكن تركته السياسية والاجتماعية والمالية ستستمر كظل جديد، أخف وأكثر خفية، لكنه حاضر دائمًا.
الحدث في لبنان يشبه ما حدث في العراق بعد سقوط صدام حسين عام ٢٠٠٣ وسوريا بعد عام ٢٠١١. هناك، تم تفكيك الجيش والمؤسسات التقليدية وإعادة تشكيل الدولة وفق مصالح خارجية
استبدال الوصايات
إن سقوط السلاح لا يعني سقوط النفوذ، بل استبدال وصاية بأخرى أكثر نعومة وعمقًا، على جثث السيادة الوطنية وعلى أمل اللبنانيين، سقوط حزب الله ليس نهاية المعركة بل بداية مرحلة جديدة، فلبنان اليوم مختبر استراتيجي، نقطة ارتكاز لإعادة رسم الشرق الأوسط، أرضية لتطبيق نموذج الدول النصفية حيث السيادة والقرار عملة تُتداول في سوق القوى الكبرى اكثر من كونه حقا للشعب.
لبنان يدخل اليوم مرحلة لا تشبه تاريخه، ولا تشبه الحروب التي عرفها من قبل،فالمعادلة لم تعد صراعًا بين قوى محلية، بل اختبارًا دوليًا على أرض مكشوفة، تُقاس فيه قدرة اللبنانيين على حماية ما تبقى من كيانهم وسط سباق محموم بين القوى المتنازعة على الإقليم.
ما ينتظر البلاد ليس تسوية ولا هدنة، بل فصل جديد يُكتب بقرار خارجي تُحسم فيه اتجاهات السلطة وحدود النفوذ ووجه الدولة المقبل.
في هذا المشهد، يتقدم لبنان لا بوصفه دولة مستقلة، بل عقدة سياسية يجري التعامل معها كمدخل لإعادة ترتيب المنطقة وربما تكون اللحظة الأخطر في تاريخه الحديث، لأن القوى التي تمسك بخيوطه اليوم لا تبحث عن إنقاذه، بل عن تثبيت موقعها فوق أرضه.
هكذا يتحول البلد إلى رهينة صراع أكبر منه، وتتحول سيادته إلى مساحة تفاوض بين الآخرين، بينما يبقى مستقبل اللبنانيين معلّقًا على موازين قوى لا ترحم.

