عمدة نيويورك المسلم.. فوز لديمقراطية أميركا

وجيه قانصو

فوز الشاب زهران مامداني عمدة لمدينة نيويورك، حدث سياسي ذو دلالة قوية ليس على مستوى ولاية نيويورك، وإنما على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية بأسرها. فالمنصب يصنف بأنه ثاني أقوى منصب بعد موقع الرئاسة الأمريكية، لما للمدينة من أهمية استراتيجية ليس على مستوى الولايات المتحدة فحسب، وإنما على مستوى العالم. فمدينة نيويورك هي العاصمة المالية للعالم، ويقطنها ما يزيد على 8.5 مليون نسمة، وميزانيتها أكبر من ميزانية عدة دول مجتمعة.

لدى المدينة أضخم جهاز شرطة، وأكبر جهاز تعليمي، وأكبر نظام إسكان في البلد الأم. كما أنها مركز الحزب الديمقراطي، وتملك أكبر تأثير على الصناعات الكبرى داخل أميركا وخارجها، من مال وتكنولوجيا وعقارات. كما أنها مركز الأمم المتحدة التي يحجّ إليها قادة العالم، ويتم فيها اتخاذ قرارات تتعلق بمصائر شعوب العالم بأسره.

مسار صعود زهران مامداني

الذي أوصل زهران، المنتمي إلى أقلية مسلمة ذات أصول شيعية إسماعيلية، إلى هذا الموقع ليس هويته الدينية ولا أصوله المسلمة، بل خطابه وأداؤه الذي استطاع من خلاله بناء تحالف عريض من أقليات متعددة، من يمنية وأوزبكية وسنغافورية وإثيوبية وحتى نسبة يهودية معتبرة، إضافة إلى القوى الليبرالية اليسارية شديدة الانفتاح على قضايا المرأة والإجهاض وحقوق المثليين.

لم يخاطب زهران الأقليات ولم يقدم تطمينات لهم، بل لامس هواجس الطبقة العاملة بالدرجة الأولى، وكان لكلامه وقع قوي لدى الشباب المتعلم الباحث عن فرص جديدة. كان العنوان الاقتصادي والمعيشي، إضافة إلى أسلوبه الأرضي والودود، هو الذي أعطاه هذه الشعبية، وهو الذي أخرج الكثير من المنتخبين من بيوتهم ليصوتوا له، حيث وصلت نسبة الاقتراع إلى ما يزيد على مليوني مقترع، وهي نسبة تعتبر الأعلى بالقياس إلى انتخابات سابقة.

برنامجه السياسي والاجتماعي

كان محور خطاب زهران توفير شروط حياة ذات كلفة قابلة للتحمل affordable، من خلال تحقيق عدالة اقتصادية، زيادة الضرائب على الأثرياء، تأمين السلامة العامة، المساواة، الهجرة، محاربة الجريمة، محاربة الفساد، التعافي الاقتصادي، النقل المجاني، مجانية رعاية الحضانة، تطوير التعليم، تأمين إسكان بكلفة مخفضة، تجميد ارتفاع الإيجارات.

لم يكن برنامجه منطلقًا من هواجس الأقليات الدينية أو الإثنية، بل متصلًا بالأمور الحياتية الضيقة والمعيشية الصعبة التي يعانيها أكثر الأمريكيين اليوم القاطنين في المدن الكبرى. ما مكنه من بناء تحالف واسع وعريض من مهاجرين وطبقة عاملة وناشطين ليبراليين وجاليات مهاجرة وإثنيات متعددة. هذا التحالف ضمن له هزيمة كبار الشخصيات السياسية ذات التاريخ الطويل والحافل في العمل العام، أمثال أندرو كومو في الحزب الديمقراطي، وكيرتس سليوا من الحزب الجمهوري.

الذي أوصل زهران، المنتمي إلى أقلية مسلمة ذات أصول شيعية إسماعيلية، إلى هذا الموقع ليس هويته الدينية ولا أصوله المسلمة، بل خطابه وأداؤه الذي استطاع من خلاله بناء تحالف عريض من أقليات متعددة

نجاح رؤية سياسية لا هويّوية

لم ينجح زهران المسلم، بل زهران الأمريكي ذو الرؤية الليبرالية اليسارية. ركز على السياسات لا الهويات الخاصة، على التكامل والاندماج في المجتمع والعمل العام لا التقوقع والعزلة، الانخراط في الحياة العامة والإيمان بإمكانية التغيير لا التغذي من هواجس ومخاوف الأقليات.

أثبت أن الحق يُكتسب بمزيد من الاندماج والوعي بالمواطنية وبناء التضامنات العابرة للخصوصيات والاعتزاز بالهوية الأمريكية الجامعة، والمؤسسة على قيم يجد كل فرد مكانًا لنفسه فيها، مهما كانت إثنيته وعرقه وانتماؤه الديني.

ديمقراطية نيويورك في مشهد انتخابي فارق

جسدت انتخابات نيويورك الأخيرة مشهدًا ديمقراطيًا حقيقيًا. أثبتت أن التغيير ممكن، وأن لا نهائية لأي ترتيب سياسي، ولا حتمية لأي شكل توزيع اقتصادي، ولا شخصية تغلب صوت الناخب ولا قيادة رمزية فوق أن تهزم. أن يفوز شخص ولد خارج أميركا ونشأ في بيئة متعددة الثقافات، مؤشر على التحولات الديمغرافية التي تحصل في مدن أميركا، وعلى تبدل الخارطة السياسية في الداخل، وعلى الدور المتزايد للمكونات المهاجرة في تشكيل المشهد السياسي على مستوى المدن والولاية والحكومة الفيدرالية.

مشهد فوز زهران يؤكد إمكانية كسر جميع الحواجز الدينية والعرقية والاقتصادية في إحداث تغييرات جذرية في المشهد السياسي والاقتصادي داخل أميركا. مشهد فكك مفاعيل الإسلاموفوبيا التي تم توظيفها بكثافة في الخطاب السياسي بعد حادثة 11 أيلول من العام 2001. مشهد يحفّز الطاقات الشبابية في مدن أخرى للدخول معترك الحياة السياسية لتغيير المشهد الرتيب منذ عقود.

مشهد عزز مكانة القوى اليسارية داخل الحزب الديمقراطي، وبمثابة هزيمة قوية للقوى الإقصائية والأجنحة اليمينية والقومية الضيقة. مشهد أكد نهاية حكم العرق أو الدين الواحد، وأن التنوع الديني والعرقي والثقافي بات أرضية لصناعة وإدارة الحياة السياسية في الولايات المتحدة.

الديمقراطية الأميركية كفائز أكبر

أهم ما في مشهد انتخابات نيويورك، أن الديمقراطية في أميركا هي الفائز الأكبر. هذه الديمقراطية التي أذهلت ألكسي دي توكفيل حين جاء إلى أميركا في العام 1830، فوجد أنها صفة للمجتمع قبل أن تكون صفة سياسية، وأن التحول السياسي مقترن دائمًا بالتحول المجتمعي قبل تغيير الأوجه القيادية.

لا تعود مشكلة المهاجر إلى أميركا، بمن فيهم المسلم، في أن يحفظ دينه وتأكيد هويته الخاصة، ولا في أن تُمنح له فرص العمل أو يكون جزءًا من الحياة السياسية، فهذا تحصيل حاصل بضمانة الدستور الأمريكي. إنما التحدي أن يكسر كل مهاجر أسوار خصوصيته ويكابد عزلته ويتغلب على تردده وخوفه.

وأن يدرك حجم وسعة الفرص المفتوحة أمامه، التي لا تقتصر على الحماية والتعلم والعمل والاستثمار، وإنما في أن يكون جزءًا من الحياة السياسية، وأن صوته الانتخابي يملك طاقة تغيير معتبرة، وأن السلطة السياسية لا تشبه شيئًا من صفات الأزل أو القداسة المعهودة في وطنه الأول، بل محكومة دائمًا للتبدلات والتغيرات التي تطرأ على تكوينات المجتمع الأمريكي وتحولاته الثقافية.

مشهد فوز زهران يؤكد إمكانية كسر جميع الحواجز الدينية والعرقية والاقتصادية في إحداث تغييرات جذرية في المشهد السياسي والاقتصادي داخل أميركا.

احتفاء أميركي بالديمقراطية والاندماج

في الوقت الذي هلل فيه كثيرون خارج الولايات المتحدة باختراق جديد يحدثه الإسلام وربما التشيع هذه المرة داخل النظام الأمريكي، فإن أميركا بمبادئها التأسيسية تحتفل بعراقة ديمقراطيتها، وبنجاحها في إدماج كل مسلم يفد إليها داخل مجتمعها، وفي تحويله من مرتاب بنظامها، إلى كائن سياسي فاعل فيها، ومدافع عن قيمها، ومجسد للحلم الأمريكي الذي لا يتوقف عن التجدد.

إقرأ أيضا: د.غسان العياش في «منتدى جنوبية»: إعادة الإعمار رهينة القرار الإيراني والوصاية المالية الدولية

السابق
صورة الضياع!
التالي
اللامسؤولية الأمريكية: فوضى عارمة تهدد النظام الدولي…